أعاد رجلٌ إلى صديقه أهله وماله شيئًا فشيئًا، ثم احتفظ بامرأة واحدة وأبى أن يردّها. فقال له الصديق جملة قصيرة صارت مثلًا: «أتبع الفرس لجامها». وترويه كتب الأمثال بصيغ عدّة، منها «أَتْبِعِ الفَرس لِجامَها والنّاقَة زِمامَها»، ومعناه أن تُتمّ معروفك ولا تتركه ناقصًا. نتتبّع في هذه الوقفة من «كلمة اليوم» معنى المثل وقصته وأصل كلماته، ثم نرى متى يناسب أن نقوله اليوم.
المحتويات
معنى أتبع الفرس لجامها
يدور المثل حول إتمام الحاجة وعدم الاكتفاء بنصفها. وقد شرحه أبو عبيد بأنك جُدتَ بالفرس، واللجام أهون شأنًا، فأتمّ الحاجة، لأن الفرس لا غنى به عن اللجام. وبعبارة أخرى، يشبه المعروف الناقص فرسًا بلا لجام: ثمينًا، لكنه لا ينفع صاحبه.
قصة المثل وأصله
تروي كتب الأمثال، ومنها مجمع الأمثال للميداني، أن ضرار بن عمرو الضبي أغار على قوم من كلب، فغنم وسبى. وكانت في السبي سلمى بنت وائل الصائغ، أمةٌ لعمرو بن ثعلبة الكلبي، وهي أم النعمان بن المنذر فيما يذكرون. وحين أدرك عمرو ضرارًا، وكان صديقه، ناشده الإخاء والمودة أن يردّ إليه أهله. فجعل ضرار يردّ شيئًا بعد شيء حتى بقيت سلمى، وكانت قد أعجبته، فأبى أن يتخلى عنها. عندها قال عمرو:
«يا ضرار، أتبع الفرس لجامها»
فأرسلها مثلًا، وتقول الرواية إن ضرارًا ردّ سلمى بعد ذلك.
غير أن رواية أخرى ترسم المشهد بشكل مختلف. ففيها يردّ ضرار المال والأهل والقينة، ويحبس ابنتها سلمى بنت عطية بن وائل، فيقول له عمرو العبارة نفسها. وتجعلها مجموعة أخرى زوجةً لعمرو، ويبقى جوهر القصة واحدًا: رجل ردّ كل شيء إلا أثمنه، فذكّره صديقه بأن الجميل لا يكتمل بنقصان.
شرح كلمات المثل
- أتبع: فعل من باب الإفعال، من الجذر «ت ب ع»، ومعناه أن تجعل الشيء يلحق بغيره ويتصل به. وهو الجذر نفسه في الحديث: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوّال».
- الفرس والناقة: أنفس ما يملكه العربي قديمًا، فيليق بهما أن يكونا صورة للعطية الكبيرة.
- اللجام: ما يضعه الفارس في فم الفرس ليقودها، وهو لفظ معرّب عن أصل فارسي كما تذكر المعاجم.
- الزمام والخطام: يفرّق بعض شرّاح الأمثال بينهما؛ فالزمام حبل يقود به صاحبها الناقة وهي تمشي، أما الخطام فيمسكها به وهي واقفة.
روايات المثل: الفرس والناقة والدلو
سجّلت المعاجم، ومنها معجم لين، ثلاث صيغ للمثل نفسه:
- الفرس ولجامها: الصيغة التي وردت في قصة عمرو وضرار.
- تحمل الناقة وزمامها الفكرة ذاتها، لكن بصورة الإبل.
- أما «أتبع الدلو رشاءها»، والرشاء حبل الدلو، فتضيف ظلًّا آخر للمعنى: ما دام الكثير قد ذهب، فليلحق به القليل ولا تتحسّر عليه.
وهنا يظهر الفرق: فالفرس تطلب إتمام الجميل، أما الدلو فتدعو إلى التسامح مع القليل بعد ضياع الكثير.
متى يُضرب مثل أَتْبِعِ الفَرس لِجامَها والنّاقَة زِمامَها؟
يأتي المثل غالبًا في صورة طلب رقيق، لا في صورة مدح. فهو يقول لصاحب الفضل: لقد أحسنت، فأتمم إحسانك. ويعجبني فيه أنه يطلب أصغر الأشياء بلطف شديد. ومن الأمثلة القريبة منه في حياتنا:
- رجل وعد بتجديد غرفة، فدهن الجدران وترك الإضاءة، فقلت له: «أتبع الفرس لجامها».
- متبرّع موّل كتب مكتبة ولم يموّل رفوفها.
- صديق أهدى صديقه هاتفًا جديدًا ولم يشتر له شاحنًا.
لكن انتبه: لا يبرّر المثل الطمع. فالمقصود ما يتوقف عليه نفع العطية فعلًا، لا كل ما يخطر ببالك من طلبات.
أمثال وعبارات قريبة منه
ينتمي هذا القول إلى أمثال العرب عن الخيل، حيث تظهر الفرس رمزًا للنفاسة والعطاء. ويقترب منه في الصورة:
- ألقى حبله على غاربه: صورة أخرى من عالم الإبل، لكنها تعني ترك الأمر بلا قيد.
- منزوع اللجام: وصف لمن انفلت من كل ضابط.
خلاصة كلمة اليوم
يختصر هذا المثل درسًا في الإحسان: لا يكفي أن تبدأ الجميل، بل عليك أن تتمّه حتى ينفع. وقبل أن تسلّم معروفك لأحد، جرّب هذه الخطوات:
- اسأل نفسك: ما «اللجام» في معروفي هذا؟
- ابحث عن التفصيلة الصغيرة التي يتعطّل الباقي بدونها.
- أتمّها بالكرم نفسه الذي بدأت به.
وتبقى «أَتْبِعِ الفَرس لِجامَها والنّاقَة زِمامَها» كلمة تصلح شعارًا لكل من يبدأ جميلًا.
واصل رحلتك مع الأمثال، واقرأ أيضًا في «كلمة اليوم»:

