أب يجلس مع ابنته في حديقة ويتبادلان نظرات المحبة والاعتزاز في مشهد عائلي دافئ

كل فتاة بأبيها معجبة

يتردد هذا المثل العربي العتيق على الألسنة منذ قرون، بسيطٌ في لفظه وعميقٌ في دلالته. ست كلمات تختصر مشاعر إنسانية متجذّرة لا تتغير بتغيّر الزمن أو المكان. ولأن لكل مثل حكاية، فقد آن أوان الكشف عن أسرار “كل فتاة بأبيها معجبة”، وما وراء هذه العبارة من معانٍ تستحق الوقوف عندها.

من أين جاءت هذه الكلمات؟

تذكر المصادر الأدبية القديمة، وعلى رأسها كتاب “مجمع الأمثال” للميداني وكتاب “المستقصى في أمثال العرب” للزمخشري، أن أول من نطق بهذا المثل هي العجفاء بنت علقمة السعدي، وكانت من ربّات الفصاحة والبلاغة والذكاء في العصر الجاهلي.

تبدأ القصة عندما خرجت العجفاء ذات ليلة مع ثلاث نسوة إلى روضة غنّاء، وكان الليل ساحراً والقمر زاهراً. وجلسن يتسامرن ويتحدثن، فقلن: “ما رأينا كالليلة ليلة، ولا مثل هذه الروضة روضة، أطيب ريحاً ولا أنضر!” ثم أفضن في الحديث وتطرقن إلى المقارنات والصفات.

سألن أولاً عن صفات النساء الأفضل، ثم انتقل الحوار إلى السؤال الأكثر إثارة: “فأي الرجال أفضل؟”

  • قالت الأولى: خير الرجال هو “الحظي الرضي”؛ أي صاحب المكانة العالية، الراضي القانع، الذي ليس ببخيلٍ مقتّر ولا جاهلٍ أهوج.

  • قالت الثانية: خيرهم هو “السيد الكريم”؛ ذو الحسب العميم، والمجد التليد القديم.

  • قالت الثالثة: خيرهم هو “السخي الوفي”؛ الجواد الذي يفي بعهده، ويقدر زوجته الحرة ولا يظلمها أو يغير معاملتها.

  • أما الرابعة فاندفعت قائلة بفخر: “وأبيكنّ، إن في أبي لنعتكنّ كُلّه! كرم الأخلاق، والصدق عند التلاق، والفوز عند السباق، ويحمده أهل الرفاق”.

هنا، التفتت إليها العجفاء بنت علقمة السعدي بنظرة ثاقبة وابتسامة فصيحة، واختصرت الموقف بالعبارة التي سارت بها الركبان وصارت مثلاً سائراً:

“كُلُّ فَتَاةٍ بِأَبِيهَا مُعْجَبَةٌ”

وفي بعض الروايات التاريخية، يذكر أن الفتيات ذهبن لكاهنة الحي لتحكم بينهن وتحدد من هو الأفضل. وبعد أن استمعت لفخر كل واحدة منهن بوالدها، قالت الكاهنة ذراعاً للحقيقة ذاتها: “كل واحدة منكن بأبيها معجبة”.

لماذا تعجَب الفتاة بأبيها؟

ليس الأمر مجرد مبالغة عاطفية عابرة، إذ ثمة جذور نفسية وثقافية حقيقية تفسّر فخر الفتاة بأبيها وإعجابها به:

  • صورة الأب الأولى: يمثّل الأب في وجدان ابنته النموذج الأول للرجل القوي الحاني. تنطبع هذه الصورة في اللاوعي منذ الطفولة المبكرة، وتبقى راسخة طويلاً حتى حين تكبر.
  • الحب يُجمّل الرؤية: حين يشعر الإنسان بحبٍّ حقيقي، يغدو الطرف الآخر في نظره أكثر كمالاً مما يراه سواه. وهذه ليست نقيصة، بل هي الحب في أنقى صوره وأصدق تجلياته.
  • الانتماء والهوية: ارتبطت الثقافة العربية تاريخياً بالفخر بالنسب والأصل، لذا فإن إعجاب الفتاة بأبيها هو في جزء منه فخرٌ بانتمائها وبجذورها التي تمتد إليه.

المثل في التراث والحياة المعاصرة

لا يقتصر دور مجمع الأمثال للميداني على مجرد جمع الكلام القديم وحفظه، بل يمتد إلى الكشف عن طريقة تفكير الإنسان العربي ورؤيته للمشاعر الإنسانية الكبرى. وهذا المثل تحديداً يعكس وعياً مبكراً بأثر العاطفة على الحكم والتقييم.

وتجدر الإشارة إلى أن أمثالاً عربية قديمة كثيرة ولدت بالطريقة ذاتها: موقفٌ حقيقي، وشخصية بعينها، ثم ينتشر القول حتى يصير جزءاً من الذاكرة الجماعية ويتجاوز أصحابه الأوائل.

وحتى اليوم، لا يزال هذا المثل يجري على الألسنة بشكل عفوي وطبيعي. فحين تسمع فتاةً تصف أباها بالبطولة أمام أصدقائها، قد يبتسم أحدهم ويقول: “كل فتاة بأبيها معجبة!”، ليس سخريةً من عاطفتها، بل تعرّفاً على حقيقة إنسانية قديمة يعرفها الجميع.

في الختام

صمد هذا المثل عبر القرون لأنه يلمس شيئاً حقيقياً في كل منّا. ففخر الفتاة بأبيها ليس وهماً أو ضعفاً في الحكم. بل هو امتداد طبيعي للحب الصادق الذي يرى في الآخر ما لا تراه العيون المحايدة. وما زالت حكمة العجفاء بنت علقمة السعدي حاضرة معنا. تذكّرنا بأن بعض المشاعر الإنسانية أقدم من أي كتاب، وأعمق من أي تفسير يستطيع أن يُحيط بها.