يقول البرتغاليون في مثلٍ شهير لهم: السلام وأنت تحمل الهراوة حرب، وهي جملة قصيرة تحمل في طياتها حكمةً بالغة العمق. تبدو للوهلة الأولى متناقضة — كيف يكون السلام حرباً؟ — لكن حين تتأمل المعنى الحقيقي، تدرك أن هذا المثل يكشف حقيقةً نعيشها كل يوم في علاقاتنا وتعاملاتنا.
المحتويات
حين يصبح السلام مجرد قناع
ثمة فرق جوهري بين السلام الحقيقي والسلام المفروض بالقوة. يشير هذا المثل البرتغالي تحديداً إلى نوع من التعايش الزائف، حيث يقول الإنسان “أنا بخير، نحن بخير”، لكنه في الوقت ذاته يمسك الهراوة استعداداً للضرب. هذا ما يُعرف في فلسفة العلاقات بمفهوم السلام المسلح، أي ذلك الهدوء الظاهري الذي لا يستند إلى ثقة ولا إلى تفاهم حقيقي، بل إلى توازن الخوف المتبادل.

تجد هذا النمط في كل مكان تقريباً: في علاقات العمل التي تسودها المجاملات السطحية بينما تُحضَّر الطعنات خلف الظهر، وفي الصداقات المبنية على الحذر لا على الصدق، وحتى في العلاقات الدولية التي تتبادل فيها الدول المصافحات أمام الكاميرات بينما لا تضع أسلحتها.
ما الذي يجعل هذا “السلام” خطيراً؟
يكمن الخطر الحقيقي في أن السلام المسلح لا ينبثق عن إرادة حقيقية بالتعايش، بل عن حسابات القوة. فحين تتغير موازين القوى، ينهار هذا السلام الهش فجأةً. ولهذا السبب تحديداً يعدّ أكثر غدراً من العداء الصريح، لأن العدو المعلن لا يخدعك، أما الصديق الحامل للهراوة فيمنحك شعوراً زائفاً بالأمان.
ويضيف علماء النفس الاجتماعي أن العلاقات المبنية على التهديد المبطن تُولّد ضغطاً نفسياً مزمناً لدى الطرفين، إذ يعيش كلاهما في حالة تأهب دائم حتى وإن بدا المشهد الخارجي هادئاً تماماً.
أين نرى هذا المثل في حياتنا؟

يطلّ هذا النمط برأسه في سياقات متعددة:
- في بيئة العمل: يتعاون الزملاء ظاهرياً، لكن كل منهم يحتفظ بمعلومات كورقة ضغط عند الحاجة.
- في العلاقات الشخصية: يتجنب الشريكان الخلاف لا لأنهما متفاهمان، بل لأن كليهما يخشى ردة فعل الآخر.
- في السياسة والدبلوماسية: يصف مفهوم السلام المسلح كثيراً من الهدنات التاريخية التي لم تكن سوى استراحة قبل جولة أخرى من الصراع.
ماذا تقول لنا فلسفة العلاقات؟
تفرّق فلسفة العلاقات بين ثلاثة أنواع من التعايش:
- التعايش القائم على الثقة: ينبثق من تفاهم حقيقي واحترام متبادل، ولا يحتاج إلى هراوة.
- التعايش القائم على المصلحة المشتركة: ظرفي بطبيعته، يدوم طالما المصلحة قائمة.
- التعايش القائم على الردع: وهو ما يصفه المثل البرتغالي تماماً — سلام مشروط بالخوف لا بالرغبة.
“الانتباه هو أنبل شكل من أشكال الكرم.” — سيمون ويل
وهذا الكرم بالذات هو ما يغيب في كل علاقة تقوم على الهراوة.
كيف تخرج من دائرة السلام المسلح؟
لا يعني ذلك أن تضع هراوتك وتعرّض نفسك للأذى. بيد أن الخطوة الأولى تبدأ دائماً بالوعي: هل علاقاتي تقوم على الثقة الفعلية أم على الحذر المتبادل؟ وهل أنا من يمسك الهراوة دون أن يدرك ذلك؟

تساعد في ذلك خطوات عملية بسيطة:
- افتح حوارات حقيقية بدلاً من تراكم المشاعر المكبوتة.
- ميّز بين الحدود الصحية والتهديد المبطن، فالأول يعزز التعايش والثاني يقوّضه.
- ابنِ علاقاتك على الوضوح لا على الغموض الاستراتيجي.
يبقى هذا المثل البرتغالي واحداً من أكثر الأمثال صدقاً في وصف طبيعة العلاقات الإنسانية. فالسلام وأنت تحمل الهراوة حرب، ليس لأن الهراوة خطر في حد ذاتها، بل لأن حملها يعني في العمق أنك لم تختر السلام يوماً — بل اخترت فقط أن تُؤجّل الحرب.

