رجل يسير في ممر مظلم محاط بأغصان متشابكة، تعبير بصري عن انتشار الشر عند الانغماس في بداياته.

يأخذ الشر مجراه إذا ارتشفنا قطرة منه

في زوايا الحكمة الإنسانية، حيث تتلاقى ثقافات الشرق والغرب، يستريح هذا المثل الإيطالي كزهرة نادرة تنبض بحقيقة عميقة. ليس الشر، يخبرنا هذا المثل، مصادفة تنزل علينا من السماء، بل هو اختيار صغير، قطرة واحدة نرتشفها بغفلة أو إصرار، فتجرفنا بعدها التيارات الهائجة نحو هاوية لا قرار لها.

حين نتأمل في هذه الكلمات، نشعر بأن الحكمة الحقيقية تكمن في فهمنا العميق لآلية العادة والتطور التدريجي للخطايا. فالشر، أيها الحكماء، لا يأتينا جملة واحدة مرعبة، بل يأتينا كهمسة خافتة، كقطرة ماء لا تثير فزعاً، لكنها تفتح ما بعدها من أبواب لا يمكن إغلاقها.

العطش الخاطئ: حين ترتشف روحك من نبع ملوث

يا لها من صورة مرعبة وجميلة في الوقت ذاته! الارتشاف يعني التجرع الحذر، الاقتراب الخجول، كأننا لا نريد أن نعترف بأننا نقترب من الهاوية. إنها الطريقة التي يختار بها الإنسان الضلالة: ببطء وتدرج، حتى لا يشعر بنفسه بأنه قد تغير.

في كل مرة نتجاهل همسة الضمير، في كل مرة نختار الطريق الأسهل بدلاً من الطريق الأصح، نرتشف من تلك القطرة. وقبل أن ندرك، نجد أنفسنا غارقين في محيط من الشرور، محبوسين في قيود نسجناها بأيدينا.

تحذير الأجيال: حين تجتمع الحكمة الشرقية والغربية

من روعة الحكمة أن تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن. هذا المثل الإيطالي الذي يسكن روحنا الآن، يتردد صداه في قلوب الشرقيين والغربيين معاً. فالشر عالمي، والعاطفة الإنسانية تجاه مغرياته موحدة في كل مكان.

كم مرة اخترنا نحن العربَ الصمتَ حين كان يجب أن نصرخ؟ كم مرة ارتشفنا من كأس الظلم قطرة تافهة الوزن لكنها ثقيلة الثمن؟ إن الأمثال الإبطالية والعربية تلتقي هنا في همس واحد: احذروا من البدايات، فإن كل نهاية مرعبة بدأت برغبة صغيرة تجاهلناها.

الخلاص: حين نختار عدم الارتشاف

لكن هنالك بصيص نور في هذا التحذير. إن الحكمة لا تريد أن تحزننا، بل أن تحررنا. فمن يفهم جيداً أن الشر يبدأ بقطرة واحدة، يملك السلاح الأقوى لمقاومته: الوعي الحذر، اليقظة الأبدية، الرفض المبكر.

نحن نملك القوة لقول “لا” في البدايات. نحن نملك الحرية في أن نبقى بعيدين عن النبع الملوث. كل قرار أن نحيد عن هذه القطرة الأولى هو انتصار، هو اختيار للنور على الظلام.