صورة لامرأة جالسة بابتسامة هادئة، تُعرف بأنها رمز للقيادة القوية والعزيمة السياسية في بريطانيا الحديثة

مارجريت تاتشر: قصة “المرأة الحديدية” التي غيرت وجه بريطانيا إلى الأبد

تمر مئة عام على ميلاد مارجريت تاتشر في 13 أكتوبر 1925، وتظل واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ بريطانيا الحديث. لُقبت بـ”المرأة الحديدية” لصلابتها وإرادتها التي لا تلين، ولم تكن مجرد سياسية، بل كانت أول امرأة تتولى منصب رئيس وزراء في أوروبا، وقائدة خاضت سلسلة من المعارك التي تركت بصمة لا تُمحى على كل جانب من جوانب الحياة البريطانية.

النشأة والصعود: من ابنة بقال إلى زعيمة حزب المحافظين

شكلت المراحل الأولى من حياة مارجريت تاتشر شخصيتها السياسية الصارمة وطموحها الذي لا يعرف حدوداً، وكأنها كانت تستعد منذ البداية لسلسلة من المعارك التي ستحدد مسارها.

جذورها وقيمها الأولى

وُلدت مارغريت هيلدا روبرتس في بلدة غرانثام، ونشأت في كنف والدها، ألفريد روبرتس، الذي كان بقالاً وعضواً في المجلس المحلي. كان لوالدها تأثير عميق عليها، حيث غرس فيها قيم العمل الجاد، والانضباط الذاتي، والمبادئ الميثودية الصارمة.

“يرجع الفضل بالطبع إلى أبي في كل شيء، لقد عمل على تنشئتي وغرس لديَّ كل القيم التي أؤمن بها الآن.”
— مارجريت تاتشر

التعليم والطموح المبكر

أظهرت تفوقاً أكاديمياً أهّلها للالتحاق بجامعة أكسفورد المرموقة، حيث درست الكيمياء وتخصصت في علم البلورات بالأشعة السينية. لم تكن دراستها العلمية عائقاً أمام طموحها السياسي، بل انخرطت بنشاط في السياسة الطلابية وأصبحت رئيسة لجمعية حزب المحافظين في الجامعة عام 1946.

خطواتها الأولى في السياسة والعمل

بعد تخرجها، سلكت مساراً متعدد الأوجه:

  • عملت كباحثة في الكيمياء
  • درست القانون لتصبح محامية متخصصة في القانون الضريبي
  • خاضت أولى محاولاتها لدخول البرلمان لكنها لم تنجح
  • نجحت عام 1959 في الفوز بمقعد فينشلي في مجلس العموم

وزيرة “سارقة الحليب”

برزت مكانتها تدريجياً داخل الحزب، وفي عام 1970، عُيّنت وزيرة للتعليم والعلوم في حكومة إدوارد هيث. اتخذت قراراً مثيراً للجدل بإلغاء الحليب المجاني لأطفال المدارس، مما أكسبها لقب “تاتشر، سارقة الحليب” من خصومها.

التناقض المبكر: في الوقت نفسه، أنشأت مدارس شاملة أكثر من أي وزير تعليم آخر في التاريخ، وهي المدارس التي دشنها حزب العمال أساساً. كشف هذا القرار المزدوج عن شخصية براغماتية ومعقدة، لا يمكن حصرها في قالب أيديولوجي بسيط.

الوصول إلى القمة

بعد خسارة حزب المحافظين بقيادة هيث انتخابات عام 1974 مرتين متتاليتين، قررت تاتشر خوض معركتها الأولى الكبرى داخل حزبها، متحدية هيث على الزعامة. نجحت في حشد دعم الجناح اليميني، وفي فبراير 1975، انتُخبت زعيمة لحزب المحافظين، لتصبح أول امرأة في تاريخ بريطانيا تتزعم حزباً سياسياً كبيراً.

سنوات داوننغ ستريت: ثورة “التاتشرية”

قادت تاتشر حزبها إلى السلطة في فترة من الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي، لتبدأ حقبة من المعارك التحويلية التي أعادت تعريف بريطانيا.

الفوز بالسلطة و”شتاء السخط”

في عام 1979، قادت مارجريت تاتشر حزب المحافظين إلى انتصار انتخابي حاسم. جاء هذا الفوز في أعقاب “شتاء السخط” (1978-1979)، وهي فترة شلت فيها البلاد سلسلة من الإضرابات العمالية الكبرى تحت حكم حزب العمال، مما خلق رغبة شعبية عارمة في التغيير.

عقيدة التاتشرية: الخصخصة ومواجهة النقابات

أطلقت تاتشر برنامجاً اقتصادياً جذرياً عُرف لاحقاً بـ”التاتشرية”. استندت هذه العقيدة إلى فلسفة واضحة: تعزيز استقلال الفرد عن الدولة، وإنهاء التدخل الحكومي المفرط في الاقتصاد، وتشجيع الاعتماد على الذات.

المبادئ الأساسية للتاتشرية:

الخصخصة
بيع المؤسسات الكبرى المملوكة للدولة، مثل الخطوط الجوية البريطانية، وبريتيش غاز، وشركات الكهرباء والمياه. أدت هذه السياسة إلى نشوء “رأسمالية شعبية” للبعض، لكنها أفقدت آخرين وظائف آمنة ومستقرة.

تقليص دور الدولة
الحد من الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم والإسكان.

مواجهة النقابات
إصدار قوانين صارمة للحد من سلطة النقابات العمالية، التي كانت تعتبرها عائقاً أمام التحديث الاقتصادي.

الليبرالية الاقتصادية
تشجيع آليات السوق الحر، وتقليص اللوائح الحكومية، وخفض الضرائب المباشرة لتعزيز الاستثمار والمبادرة الفردية.

إضراب عمال المناجم: الصراع الذي كسر ظهر الحركة العمالية

كان إضراب عمال المناجم (1984-1985) معركة رمزية على السلطة بين حكومتها والحركة النقابية. استمر الإضراب لما يقرب من عام، لكن تاتشر كانت مستعدة له، حيث كانت حكومتها قد قامت بتخزين الفحم احتياطياً بشكل استراتيجي.

النتيجة: رفضت التنازل، وفي النهاية، انتصرت الحكومة وعاد العمال إلى العمل دون تحقيق مطالبهم، مما أدى إلى إغلاق معظم مناجم الفحم في بريطانيا وكسر شوكة الحركة العمالية لعقود.

حرب الفوكلاند: لحظة الحسم

في أبريل 1982، غزت الأرجنتين جزر فوكلاند. اتخذت تاتشر قراراً حاسماً بإرسال قوة بحرية ضخمة لاستعادة الجزر. بعد حرب استمرت 74 يوماً، استسلمت القوات الأرجنتينية.

عوامل الفوز الانتخابي عام 1983:

  1. النصر العسكري – عزز شعبيتها بشكل هائل
  2. انقسام المعارضة – خاض حزب العمال الانتخابات ببرنامج راديكالي أطلق عليه النقاد “أطول رسالة انتحارية في التاريخ”

هذا المزيج من الانتصار العسكري وضعف المعارضة هو ما ضمن لها نصراً تاريخياً.

المرأة الحديدية على الساحة الدولية

لم يقتصر تأثير تاتشر على بريطانيا، بل خاضت معاركها الأيديولوجية على الساحة العالمية، حيث تبنت مواقف حازمة وعلاقات استراتيجية قوية.

تحالفها مع ريغان ومواجهة الاتحاد السوفيتي

شكلت تاتشر تحالفاً أيديولوجياً قوياً مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. تشاركا رؤية مشتركة تعتبر الاتحاد السوفيتي “إمبراطورية الشر”، وعملا معاً على مواجهة النفوذ اكتسبت لقبها الشهير “المرأة الحديدية” من صحيفة تابعة لوزارة الدفاع السوفيتية عام 1976، بعد خطاب ناري أدان فيه الشيوعية، وهو لقب تبنته بفخر.

موقف مثير للجدل: جنوب أفريقيا وأوروبا

كانت مواقفها في بعض القضايا الدولية معقدة ومثيرة للجدل، مما وضعها في خلاف مع العديد من حلفائها.

القضية الدوليةموقف مارجريت تاتشر
نظام الفصل العنصريعارضت فرض عقوبات اقتصادية شاملة على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، معتبرة أنها ستضر بالسكان السود أكثر من غيرهم، وهو موقف عرضها لانتقادات واسعة على الساحة الدولية وداخل بريطانيا.
المجموعة الأوروبيةاتخذت موقفاً عدائياً متزايداً تجاه التكامل الأوروبي. قاومت بشدة الاتجاهات نحو الفيدرالية الأوروبية وفكرة العملة الموحدة، مما خلق انقسامات عميقة داخل حزب المحافظين نفسه.

محاولة اغتيال برايتون

في أكتوبر 1984، نجت مارجريت تاتشر من محاولة اغتيال عندما فجر الجيش الجمهوري الإيرلندي فندق برايتون خلال مؤتمر حزب المحافظين.

ردها: في تحدٍ واضح، أصرت على استكمال المؤتمر في اليوم التالي كما هو مقرر، مما عزز صورتها كقائدة صلبة لا تهتز أمام التهديدات.

السقوط والإرث: نهاية حقبة

بعد 11 عاماً في السلطة، أدت سياسات تاتشر والانقسامات داخل حزبها إلى المعركة الأخيرة التي خسرتها، والتي أدت إلى نهاية مفاجئة لحكمها.

ضريبة الرأس: القشة التي قصمت ظهر البعير

كان تطبيق “ضريبة المجتمع”، المعروفة إعلامياً بـ”ضريبة الرأس”، خطأً سياسياً فادحاً. كانت هذه الضريبة ثابتة تُفرض على كل شخص بالغ بغض النظر عن دخله، مما عنى أن “الدوق سيدفع نفس ما يدفعه عامل النظافة”، وهو ما أثار غضباً شعبياً عارماً.

النتيجة: أدت الضريبة إلى احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وتسببت في تراجع شعبيتها بشكل حاد.

نهاية الحكم

أدت الانقسامات العميقة داخل الحزب، خاصة حول قضية أوروبا وضريبة الرأس، إلى تحدي وزير الدفاع السابق مايكل هيسلتين لزعامتها في نوفمبر 1990. على الرغم من فوزها في الجولة الأولى من التصويت، إلا أنها لم تحصل على الأغلبية الكافية. وبعد التشاور مع زملائها، أعلنت استقالتها، ليخلفها جون ميجور.

الإرث المنقسم

تركت تاتشر وراءها إرثاً مزدوجاً:

نظرة المؤيدين:

  • المنقذة التي انتشلت الاقتصاد البريطاني
  • كسرت هيمنة النقابات
  • أعادت لبريطانيا مكانتها الدولية

نظرة النقاد:

  • المسؤولة عن تدمير الصناعات التقليدية والمجتمعات العمالية
  • تعميق الفوارق الاجتماعية
  • زيادة معدلات البطالة

“يُجمع كثير من المراقبين على أنها غيّرت وجه بريطانيا، إذ قادت تحوّلاً اقتصادياً واسعاً… لكن هذه السياسات نفسها أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الفوارق الاجتماعية.”

الخاتمة: هل كانت مارجريت تاتشر بطلة أم وغدًا؟

في نهاية المطاف، إرث تاتشر هو إرث التدمير الناجح. نجحت في تفكيك إجماع ما بعد الحرب، وكسرت سلطة النقابات، وهزمت التضخم، لكنها في سبيل ذلك، فككت أيضاً صناعات بأكملها والمجتمعات التي اعتمدت عليها.

السؤال ليس ما إذا كانت قد غيرت بريطانيا، بل ما إذا كانت بريطانيا التي خلقتها أفضل بشكل أساسي. كانت قائدة ذات رؤية وقناعات راسخة لم تتردد في خوض المعارك التي آمنت بها، بغض النظر عن التكلفة.