رجل مسنّ بملامح هادئة ووجه يحمل آثار الزمن، يقف بين أشجار الزيتون عند الغروب، في مشهد يرمز للصمود والأمل بعد سنوات طويلة من الأسر.

كريم يونس: رحلة 40 عاماً من الصبر.. حكاية عميد الأسرى الفلسطينيين

تخيّل أن يعيش إنسان أربعة عقود من عمره خلف الأسوار، يشهد تقلّبات الزمن من خلف القضبان، يدفن والده دون أن يودّعه، ويفقد والدته دون أن يحتضنها. هذه ليست قصة من رواية، بل هي حياة رجل حقيقي،إنه كريم يونس، الذي لم تكسره الزنازين وإن أبعدته عن أحبّائه. قصته ليست مجرد سرد لمعاناة، بل هي درس حيّ في الصمود، ودليل على أن الروح الإنسانية قادرة على البقاء شامخةً في أحلك الظروف.

من عارة إلى التاريخ.. طفل نشأ ليصنع قضية

ازداد كريم يونس فضل يونس في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1956، في قرية عارة الصغيرة الواقعة في المثلث الشمالي بالداخل الفلسطيني. نشأ في بيئة تعليمية واعية، إذ أتمّ دراسته الابتدائية والإعدادية في بلدته عارة، ثم التحق بمدرسة الساليزيان الشهيرة في مدينة الناصرة لاستكمال ثانويته.

كان شابًا طموحًا بكل معنى الكلمة؛ التحق بجامعة بن غوريون في النقب، حيث كان ينهل من المعرفة ويتشكّل وعيه الوطني والسياسي في آنٍ معًا. لم يكن يعلم يومها أن الجامعة ستكون آخر فصل من فصول حياته الحرة لعقود طويلة.

من مقاعد الدراسة إلى الزنزانة

في السادس من يناير عام 1983، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلته في قرية عارة ليلاً، وفي اليوم التالي طالت يد الاعتقال كريم يونس وهو بعدُ طالبٌ جامعي لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره. لم تعلم عائلته في البداية أين اقتيد، وقضت أشهراً تبحث عنه في سجون الاحتلال المتفرقة، إلى أن تمكّن محامٍ من تحديد مكانه في سجن عسقلان.

كريم يونس: من مقاعد الدراسة إلى الزنزانة

وجّهت سلطات الاحتلال إليه جملةً من التهم، أبرزها:

  • الانتماء إلى حركة فتح التي كانت محظورة آنذاك
  • الانخراط في العمل المسلح
  • قتل جندي إسرائيلي

صدر بحقه في البداية حكم بالإعدام شنقاً، قبل أن يخفَّف لاحقاً إلى السجن المؤبد، ثم حدّدت سلطات الاحتلال عام 2015 مدة حكمه بأربعين سنة كاملة. بهذا أصبح كريم يونس رسمياً أقدم أسير سياسي فلسطيني في التاريخ الحديث.

خلف القضبان.. نضال لم يتوقف

ربما يتصوّر البعض أن السجن يحطم صاحبه، غير أن كريم يونس حوّل زنزانته إلى مدرسة ومنبر نضالي. واصل مسيرته التعليمية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، فالتحق بجامعة القدس المفتوحة في أبو ديس، وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. علاوةً على ذلك، تولّى الإشراف على العملية التعليمية للأسرى من حوله، حاثّاً إياهم على التعلم كأداة للمقاومة.

“كان طالبًا مجتهدًا ومثقفاً، وذا شخصية جريئة مناضلة وشجاعة، كما كان سياسياً مبادراً رغم طبعه الهادئ”
— شهادة رفاقه من الأسرى المحررين

تنقّل كريم يونس بين سجون الاحتلال المختلفة طوال سنوات محنته، وكان في كل محطة حاضراً بإرادته الصلبة ووعيه الحاد. فصّلته السلطات الإسرائيلية عن بقية الأسرى أكثر من مرة، وكان آخرها حين وضعته مع القيادي مروان البرغوثي في سجن الجلبي جنوب حيفا، محاولةً كسر إضراب الأسرى عن الطعام. لكن المحاولة باءت بالفشل.

أبرز محطات نضاله داخل السجن:

المجالالإنجاز
التعليمماجستير في العلوم السياسية من داخل الأسر
التأليفكتابان أصدرهما من وراء القضبان
حقوق الأسرىقيادة النضال ضد إدارة السجون وانتزاع الحقوق
الفكر السياسيتفنيد الأيديولوجيا الصهيونية بأدوات أكاديمية

مؤلفاته.. صوت خرج من قلب الظلام

أصدر كريم يونس كتابين من داخل السجن أثارا اهتمامًا واسعًا وقت صدورهما:

  • “الواقع السياسي في إسرائيل” (1990): عمل موسوعي تناول فيه تشريح الأحزاب السياسية الإسرائيلية بعيون مراقب من الداخل.
  • الصراع الأيديولوجي والتسوية (1993): بحث رصين في جدل الفكر الصهيوني وممكنات التسوية السياسية.

تكشف هاتان التجربتان عن رجل لم يكتفِ بالصمود الجسدي، بل استثمر سنواته المسروقة في البناء الفكري والمعرفي. يقول من عاشوا معه أنه كان “يتفانى في الصراع دفاعًا عن حقوق الأسرى، واتصف بالصبر والصمود”، وهي صفات لا تُكتسب إلا بإرادة حديدية.

الثمن الإنساني.. ما لا تعوّضه الحرية

الأرقام قد تحكي شيئًا، لكنها لا تستطيع وصف الجرح كاملاً. خلال السنوات الأربعين التي قضاها كريم يونس في سجون الاحتلال:

  • تزوّج أشقاؤه وأنجبوا أطفالاً لم يتعرف عليهم
  • توفّي والده يونس فضل يونس في السادس من يناير 2007، في الذكرى الثلاثين لاعتقاله بالضبط، مما جمع بين مرارة الفقد ومرارة الذكرى
  • رحلت والدته الحاجة صبحية قبل الإفراج عنه بأشهر، بعد قرابة أربعة عقود من الانتظار

كانت الحاجة صبحية أيقونة المناضلات الصامتات؛ أمضت تسعةً وثلاثين عامًا وأربعة أشهر تتنقل بين سجون الاحتلال، تطرق الأبواب وتمثل أمام الكاميرات مطالبةً بحرية ابنها. لم تحتضنه إلا مرة واحدة طوال هذه السنوات، حين أُتيح لبعض الأسرى التقاط صور مع ذويهم، فعانقته لدقائق معدودات ثم عادت إلى انتظارها الطويل. أملت كثيرًا أن يمهلها العمر لتراه حرًا، لكن القدر شاء غير ذلك.

يوم الخامس من يناير 2023.. الخروج من الظلام

في الخامس من يناير عام 2023، فُتحت أبواب السجن أمام كريم يونس وهو في الخامسة والستين من عمره. أربعون عامًا كاملة قضاها خلف القضبان، ليخرج إلى عالم تغيّر تغيّرًا جذرياً عمّا تركه.

استقبله أشقاؤه في قرية عارة حيث بنوا له منزلاً جديدًا في حي المسقاة، وجمعوا له مقتنيات والديه الراحلين. كان فرحاً يحمل حزنًا، وحرية تحمل ثمنًا باهظًا.

يوم الخامس من يناير 2023.. الخروج من الظلام

لكن الرجل الذي خرج لم يكن بحاجة لعطف أحد. خرج شامخًا كما دخل، لأنه كما يشهد كل من عرفه، لم يتطلّع قط لخلاصه الشخصي بقدر ما انتظر حرية شعبه. رفض دائمًا أن يُستخدم ورقةَ ضغط على القيادة الفلسطينية على حساب الحقوق الثابتة لشعبه.

ماذا نتعلم من رحلة كريم يونس؟

تمثّل قصة كريم يونس درسًا في أكثر من معنى:

  • الصمود ليس غياب الألم، بل هو الاختيار المتجدد كل يوم بمواصلة المسير رغم الألم
  • المعرفة سلاح لا تصادره الجدران؛ فقد التحق بالجامعة داخل السجن وكتب وعلّم ونظّر
  • الهوية لا تُسجن؛ بقي كريم يونس فلسطينياً حتى النخاع رغم كل ما بذله الاحتلال لطمس هذه الهوية
  • الأمومة أقوى من الأسوار؛ الحاجة صبحية علّمتنا ما يعنيه أن تنتظر أربعة عقود دون أن تيأس

خاتمة: عميد الأسرى والدرس الباقي

يبقى كريم يونس في ذاكرة الأجيال رمزًا حيًا لما يعنيه الصمود الفلسطيني في أعمق تجلياته. لم تكن قصته مجرد سجن وإفراج، بل كانت مسيرة كاملة في بناء الذات وصون الكرامة، وسط منظومة صممت أصلاً لكسرها. رحل والداه قبل أن يريا اليوم الذي طال انتظاره، وهذه وحدها مأساة كافية لتحطيم أي إنسان، غير أنه نهض وخرج.

حين يضيق بك الزمن وتثقل عليك الظروف، تذكّر كريم يونس الذي أمضى أربعين ربيعًا خلف القضبان، وما آثر يومًا أن يطوي قضيته مقابل حريته الشخصية. فالصمود الحقيقي ليس في الكلام، بل في الاختيار اليومي بالنهوض من جديد.