امرأة عراقية تقف داخل مكتبة قديمة محاطة برفوف الكتب، تحمل مجلدات بيديها بينما تشتعل النيران خارج النافذة، في مشهد يرمز إلى عالية محمد باقر وحمايتها لذاكرة البصرة الثقافية.

عالية محمد باقر: حارسة الكتب التي أنقذت ذاكرة البصرة من نيران الحرب

في الأوقات العصيبة، يهرع الناس لإنقاذ أرواحهم وممتلكاتهم المادية، لكن هناك فئة نادرة من البشر ترى في “الكلمة المكتوبة” روحاً تستحق التضحية. ومن قلب المعاناة في العراق، برزت قصة تعتبر من أكثر القصص الملهمة في العصر الحديث، بطلتها امرأة لم تحمل سلاحاً، بل حملت كتباً لتنقذ تاريخ أمة. إنها عالية محمد باقر، أمينة المكتبة العراقية.

من هي عالية محمد باقر؟

كانت عالية محمد باقر امرأة عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها إيمانًا غير عادي بقوة الكلمة المكتوبة. عملت أمينة لمكتبة البصرة المركزية في العراق، حيث قضت سنوات طويلة بين رفوف الكتب، تنظمها وترعاها وكأنها أبناؤها.

لم تكن مجرد موظفة تؤدي عملها الروتيني، بل كانت قارئة نهمة وعاشقة للأدب والمعرفة. آمنت بأن الكتب ليست مجرد ورق وحبر، وإنما ذاكرة الأمم وضمير الشعوب. هذا الإيمان العميق هو ما دفعها لاتخاذ قرار قد يكلفها حياتها عندما اقتربت الحرب من مدينتها.

لحظة الخطر: عندما وصلت الحرب إلى أبواب المكتبة

في عام 2003، مع اندلاع الحرب على العراق، تحولت البصرة إلى ساحة قتال. كانت الانفجارات تهز المدينة، والنيران تلتهم المباني واحدًا تلو الآخر. وسط هذا الجحيم، أدركت عالية أن مكتبة البصرة – التي تضم أكثر من 30 ألف كتاب نادر – مهددة بالدمار الكامل.

بينما فرّ معظم الناس بحثًا عن الأمان، اتخذت عالية قرارًا مختلفًا تمامًا. بدلاً من إنقاذ نفسها فقط، قررت إنقاذ الكتب. لم تطلب إذنًا من أحد، ولم تنتظر مساعدة رسمية قد لا تأتي أبدًا.

خطة الإنقاذ الجريئة

بدأت عالية بنقل الكتب سرًا من المكتبة إلى منزلها القريب. كانت عملية محفوفة بالمخاطر الشديدة:

  • حملت الكتب على ظهرها عبر شوارع مليئة بالقناصة
  • استعانت بأصدقائها وجيرانها الذين تطوعوا للمساعدة رغم الخطر
  • نقلت المجلدات الثقيلة في حقائب وصناديق بدائية
  • عملت تحت جنح الظلام لتجنب الكشف والاستهداف

يومًا بعد يوم، رحلة تلو الأخرى، نجحت في نقل آلاف الكتب. كانت تخبئها في منزلها، في منازل الجيران، وفي أي مكان آمن نسبيًا يمكنها الوصول إليه.

لماذا خاطرت بحياتها من أجل الكتب؟

قد يتساءل البعض: لماذا يجازف إنسان بحياته من أجل كتب؟ ألا يمكن شراء كتب جديدة؟ الإجابة تكمن في فهم القيمة الحقيقية لما كانت تحميه عالية.

قيمة التراث الثقافي

المكتبة لم تكن مجرد مجموعة كتب عشوائية. كانت تحتوي على:

  • مخطوطات نادرة لا يمكن تعويضها
  • سجلات تاريخية توثق ذاكرة المدينة
  • كتب أدبية وعلمية غير متوفرة في أي مكان آخر
  • مراجع ثقافية تمثل هوية المجتمع العراقي

فقدان هذه الكتب لا يعني خسارة مادية فحسب، بل يعني محو جزء من التاريخ والهوية. هذا ما فهمته عالية جيدًا، ولذلك رأت أن حماية التراث واجب يفوق الخوف من الموت.

دروس ملهمة من قصة عالية محمد باقر

تقدم لنا قصة عالية دروسًا قيمة تتجاوز حدود الزمان والمكان:

1. الشجاعة ليست غياب الخوف

لم تكن عالية بلا خوف، بل كانت تدرك تمامًا حجم المخاطر التي تواجهها. لكنها اختارت أن تتصرف رغم الخوف، وهذا هو التعريف الحقيقي للشجاعة. تعلمنا أن الإقدام على الفعل الصحيح حتى في أحلك الظروف هو ما يصنع الفرق.

2. قوة الفرد الواحد

غالبًا ما نشعر بالعجز أمام الكوارث الكبرى، معتقدين أن جهودنا الفردية لن تحدث فرقًا. لكن عالية أثبتت أن شخصًا واحدًا، بإصرار وعزيمة، يستطيع إنقاذ إرث ثقافي كامل. مبادرتها ألهمت آخرين للانضمام إليها، مما ضاعف تأثير جهودها.

3. حب القراءة كقوة محركة

ما دفع عالية للمخاطرة لم يكن المال أو الشهرة، بل حب عميق للمعرفة والأدب. تذكرنا قصتها بأهمية غرس حب القراءة في نفوسنا ونفوس أطفالنا، لأنه الوقود الذي يحرك التقدم والحضارة.

4. المسؤولية تجاه الأجيال القادمة

عندما نقلت عالية الكتب، لم تكن تفكر في نفسها فقط، بل في الأجيال القادمة التي تستحق أن ترث تاريخها وثقافتها كاملين. هذا الوعي بالمسؤولية عبر الأجيال هو ما يبني الحضارات ويحميها.

الصمود الثقافي في وجه الدمار

قصة عالية محمد باقر ليست فريدة تمامًا. عبر التاريخ، وجدنا أفرادًا خاطروا بكل شيء لحماية التراث الثقافي:

  • أمناء المكتبات في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية الذين خبأوا المخطوطات النادرة
  • العلماء السوريون الذين نقلوا القطع الأثرية إلى أماكن آمنة أثناء الحرب الأهلية
  • الناشطون الذين يحاولون حفظ اللغات المهددة بالانقراض

جميعهم يشتركون في إيمان واحد: الثقافة هي ما يبقى عندما يزول كل شيء آخر. الصمود الثقافي هو شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان والفناء.

النساء والدور الحيوي في حفظ المعرفة

تبرز قصة عالية كواحدة من قصص نساء ملهمات كثيرات لعبن دورًا محوريًا في الحفاظ على المعرفة والثقافة. تاريخيًا، كانت النساء غالبًا ما يتم تجاهل مساهماتهن في هذا المجال، رغم أنهن كن في طليعة حماة التراث.

من الراهبات اللواتي حفظن المخطوطات في العصور الوسطى، إلى المعلمات اللواتي نقلن المعرفة في أصعب الظروف، إلى أمناء المكتبات مثل عالية – النساء كن دائمًا جسرًا حيويًا بين الماضي والمستقبل.

ماذا حدث بعد الحرب؟

بعد انتهاء الحرب، تمكنت عالية من إعادة معظم الكتب إلى المكتبة. رغم أن المبنى تضرر، إلا أن إنقاذ الكتب سمح بإعادة بناء المكتبة وإحيائها من جديد. أصبحت قصتها رمزًا للأمل والمقاومة الثقافية، ليس فقط في العراق، بل في العالم أجمع.

حصلت على تقدير واسع، لكن الأهم من ذلك أن فعلها ألهم الآلاف حول العالم لإدراك قيمة الكتب والتراث. تحولت من أمينة مكتبة بسيطة إلى أيقونة للشجاعة المدنية وحب المعرفة.

خاتمة: إرث لا ينسى

تظل قصة عالية محمد باقر شاهدة على قوة الإنسان العادي عندما يتحلى بالشجاعة والإيمان بقضية نبيلة. لم تكن بطلة خارقة، بل كانت امرأة عادية واجهت ظرفًا غير عادي، فاختارت أن تكون على مستوى التحدي.

علمتنا أن إنقاذ الكتب ليس مجرد حماية للورق والحبر، بل هو حماية للروح الإنسانية نفسها. في كل مرة ندخل فيها مكتبة أو نفتح كتابًا، يجب أن نتذكر أن هناك من ضحى لحماية هذا الحق لنا.

دعونا نتعلم من عالية أن نقدر ما لدينا من كنوز ثقافية، وأن نحميها ونحافظ عليها للأجيال القادمة. فالحضارات تُبنى بالكتب، وتُحفظ بأمثال عالية محمد باقر – حراس الذاكرة الذين يرفضون أن ينسى العالم.