كيف يوقف شعب سيلًا جارفًا بين جبلين من دون إسمنت ولا آلات حديثة؟ هذا ما فعله أهل سبأ قبل قرون طويلة من الميلاد، حين أقاموا سد مأرب في قلب اليمن. لم يكن السد جدارًا من الحجر فقط، بل مشروعًا حوّل وادٍ جافًّا إلى بساتين ممتدة. وحين انهار بعد قرون، بقي اسمه على كل لسان، وارتبط بسيل العرم الذي ذكره القرآن الكريم. في هذا المقال نتتبّع قصة سد مأرب من الفكرة الأولى إلى إعادة البناء، ونخرج بدروس تصلح لزماننا.
المحتويات
أين يقع سد مأرب ومن بناه؟
يقع السد في محافظة مأرب شرق صنعاء، عند مضيق بين جبلين هما البلق الأوسط والبلق الأيسر، حيث يمر وادي أذنة. وتنسب المراجع بناءه إلى السبئيين، أصحاب مملكة سبأ التي ازدهرت في جنوب الجزيرة العربية. وعندما يسأل القارئ عن من بنى سد مأرب، فالجواب المختصر أنهم مهندسون وعمّال سبئيون لم تحفظ لنا النقوش أسماءهم، لكنها حفظت أثر عملهم.
كذلك يعدّ السد من أقدم السدود المائية في العالم، وقد نال شهرة فاقت سدود الجزيرة العربية كلها، فحضر في كتب التفسير والسير والأخبار.
لماذا احتاج أهل سبأ إلى السد؟
تنزل الأمطار الموسمية على جبال اليمن فتنحدر سيولًا عنيفة نحو الوادي، وتضيع في الرمال قبل أن يستفيد منها أحد. فكّر السبئيون بحلّ عملي: أن يحبسوا الماء عند المضيق ثم يوزعوه على الأرض حسب الحاجة. ونقل القزويني أن الأوائل أغلقوا مخرج الوادي بسد محكم، وجعلوا فيه فتحات تُخرج الماء بمقدار معلوم.
بهذه الفكرة البسيطة تحوّل الخطر إلى مورد. ومن هنا نفهم لماذا صار سد مأرب شريان الحياة لحضارة اليمن القديم، لا مجرد إنجاز معماري.
العبقرية الهندسية: كيف عمل السد؟
لم يعتمد المهندسون على مادة واحدة، بل جمعوا بين عدة حلول ذكية:
- حجارة منحوتة من الجبال، قُطعت بدقة لتتلاصق.
- الجبس مادةً رابطة بين الأحجار.
- أسياخ من الرصاص والنحاس مثبتة في الصخور، لتقاوم الزلازل والسيول.
- فتحات ومصارف في الجانبين، الشمالي والجنوبي، توجّه الماء إلى قنوات الري.
وتتفاوت التقديرات في مساحة الأراضي التي سقاها السد. وتتردد على الإنترنت أرقام مبالغ فيها، بينما يقول المصدر الأصلي إنها نحو 24 ألف أكر، أي قرابة 97 كيلومترًا مربعًا. ويبقى الرقم متواضعًا في ظاهره، لكنه كان كافيًا لإطعام مملكة كاملة في ذلك الزمن.
متى بُني سد مأرب؟ خلاف بين الرواية والحفريات
تتضارب الأقوال في تاريخ سد مأرب. فالرواية التقليدية تنسبه إلى القرن الثامن قبل الميلاد. أما دراسة ألمانية استمرت 25 عامًا واعتمدت التأريخ بالكربون المشع، فتقدّر البناء بين 600 و400 قبل الميلاد. لذلك يفضّل الباحثون الحذر، ولا يجزمون برقم واحد.
وبين هذين القولين يظل المؤكد أن السد تعرّض عبر القرون لتصدعات وإصلاحات متتالية. وفي القرن السادس الميلادي سجّل نقش أبرهة الحبشي أعمال ترميم أُجريت على السد، وهذا دليل على أن الصيانة لم تتوقف يومًا.
| القول | التقدير الزمني | مصدره |
|---|---|---|
| الرواية التقليدية | القرن الثامن قبل الميلاد | المرويات التاريخية |
| الدراسة الألمانية | بين 600 و400 قبل الميلاد | التأريخ بالكربون المشع |
الازدهار: جنتان عن يمين وشمال
حين استقرت المياه على الأرض، ازدهرت الزراعة وامتلأت الوديان ثمارًا. ويصف القرآن هذا الرخاء في سورة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. ومن هنا جاء الاهتمام بسد مأرب في القرآن الكريم، فالآية تشير إلى نعمة الماء والعمران التي وفّرها.
ولم يقتصر الأثر على المزارع. فقد ازدهرت التجارة كذلك، لأن الاستقرار الغذائي منح المدن قوة، وجعل طرق القوافل تمر بأمان أكبر. ومن هنا قامت حواضر مثل مأرب وسط صحراء قاسية.
هل بُني في زمن الملكة بلقيس؟
يربط بعض الناس بين السد وزمن الملكة بلقيس، لأن الاثنين يرتبطان بسبأ. لكن هذه الصلة تظل رواية تراثية لم يثبتها الأثر. فتذكر الروايات أن الملكة حكمت مملكة سبأ في عصر مزدهر، ولا يوجد نقش يقطع بأن السد بُني في عهدها أو أُصلح. لذلك من الأدق أن نقول إن السد ينتمي إلى حضارة سبأ عمومًا، وأن ربطه بشخصية بعينها غير مؤكد.
انهيار سد مأرب وسيل العرم
تحوّلت الحكاية حين ضعفت الصيانة. فقد تكررت التصدعات عبر السنين، وتراجعت قدرة الدولة على تنظيم العمل الجماعي بعد تفككها. ثم جاء سيل عظيم اجتاح السد، وهو ما عُرف بسيل العرم. وقال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
ولا ينبغي هنا الخلط بين مستويين. فالرواية القرآنية تقدّم العبرة والمعنى، أما النقاش الأثري فيبحث في الأسباب المادية، من ضعف الصيانة إلى اضطراب الحكم. ومن المعروف أن قبائل كثيرة هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب، فانتشرت في الحجاز والشام، وصار تفرّقهم مثلًا يُضرب: «تفرّقوا أيادي سبأ».
إعادة بناء سد مأرب: البعث الجديد
مرّت قرون طويلة والوادي بلا سد فعّال. ثم عاد الأمل في العصر الحديث، إذ أُعيد بناء السد وافتُتح عام 1986 بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعرف كذلك باسم سد الشيخ زايد. وأصبح سد مأرب الجديد يخزّن مياه الأمطار من جديد، ويروي مساحات زراعية حول المدينة.
| وجه المقارنة | السد القديم | سد مأرب الجديد |
|---|---|---|
| الباني | السبئيون | إعادة بناء بدعم إماراتي |
| المواد | حجارة منحوتة وجبس ومعادن | مواد وتقنيات حديثة |
| الزمن | قرون قبل الميلاد | افتُتح عام 1986 |
| الغاية | حبس السيول وتوزيعها | الري والتخزين وحماية الأرض |
الدروس الملهمة من قصة سد مأرب
تحمل هذه الحكاية أفكارًا تتجاوز التاريخ:
- الاستمرارية أهم من الإنجاز. بنى السبئيون سدًّا عظيمًا، لكن استمراره ظل مرهونًا بعناية أجيالهم.
- الصيانة أهم من البناء. المشروع الكبير يحتاج إلى من يرعاه كل يوم، وإلا انهار عند أول اختبار.
- الوحدة حماية للمنجزات. حين تفكك الجهد المشترك، ضاع ما جمعته الأجيال.
- تحويل التحدي إلى فرصة. حوّل أهل سبأ السيل من عدو إلى مصدر رزق.
وإن كنت تدير مشروعًا أو أسرة أو مجتمعًا صغيرًا، فاسأل نفسك: ما السد الذي بنيته، ومتى آخر مرة راجعت شقوقه؟
أسئلة شائعة عن سد مأرب
أين يقع سد مأرب ومن بناه؟ يقع في محافظة مأرب باليمن، وبناه السبئيون عند مضيق وادي أذنة.
متى بني سد مأرب؟ تنسبه الرواية التقليدية إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وتقدّره دراسة ألمانية بين 600 و400 قبل الميلاد.
لماذا انهار السد وما هو سيل العرم؟ يفسَّر الانهيار بتكرر التصدعات وضعف الصيانة وتفكك الدولة. أما سيل العرم فهو السيل الجارف الذي ذكره القرآن في سورة سبأ.
ما علاقة السد بالقرآن الكريم؟ تذكر سورة سبأ قصة أهل سبأ وجنتيهم وما أصابهم بعد إعراضهم.
هل بُني في زمن الملكة بلقيس؟ تربطه بعض الروايات بها، لكن ذلك غير مؤكد أثريًا.
متى أُعيد بناء السد؟ افتُتح السد الحديث عام 1986 بدعم إماراتي.
خاتمة
تختصر قصة سد مأرب علاقة الإنسان بالماء والعمران والزمن. بنى السبئيون سدًّا بمهارة نادرة، ثم دفعوا ثمن الإهمال. وحين عاد الناس إلى البناء بعد قرون، أثبتوا أن الأمل لا ينقطع. فإن كانت هذه القصة أعجبتك، فاقرأ عن عجائب الهندسة القديمة وعن حضارة اليمن القديم في مقالاتنا الأخرى على pictwords.com.

