كثبان رملية متقلبة المظهر تُشبه الحكمة القائلة: تحسبها حمقاء وهي باخس.

تحسبها حمقاء وهي باخس

هل حدث أن التقيت بشخص تعتقد أنه بسيط وبعيد المدى عن الذكاء، ثم فاجأك بحنكة وحكمة جعلتك تندم على حكمك المتسرع؟ تلك اللحظة عندما تدرك أنك أخطأت في قراءة الآخرين تحمل درساً عميقاً عن طبيعة البشر والذكاء الحقيقي.

هذه الفكرة ليست حديثة الاختراع، بل عرفها العرب القدماء وأوجزوها في مثل بليغ ما زال يحمل قيمته حتى اليوم: تحسبها حمقاء وهي باخس. إنه ليس مجرد تعبير عابر، بل انعكاس لحقيقة إنسانية عميقة تتعلق بفنون الدهاء والذكاء الاجتماعي.

ما معنى “باخس”؟ البحث عن الجذور اللغوية

قد تبدو كلمة “باخس” غريبة على السمع في البداية، لكن الغوص في معناها يكشف عن عمق اللغة العربية. مشتقة من الفعل “بخس”، وتعني النقص والظلم والتقليل من حق الآخر أو قيمته. في السياق القرآني، استُخدمت عندما يتحدث الله عن شعيب عليه السلام، الذي كان يحذر قومه من بخس الحقوق.

لكن في سياق المثل الذي يشغل بالنا، المعنى يأخذ منحى مختلفاً ومثيراً: المرأة “الباخس” ليست ظالمة، بل هي تلك التي تحسن التعامل بحكمة، وتقلل من حقوق من يحاول خداعها، وتظهر من الدهاء ما يجعلها تنقِص شأنه وتغلبه بذكائها.

إنها المفارقة الجميلة: المرأة التي تبدو ضعيفة في النظرة الأولى تملك قوة خفية من الحكمة والتدبير.

قصة المثل: حيلة لن تنسى

يعود أصل هذا المثل إلى رجل من قبيلة بني العنبر من تميم. هذا الرجل جاورته امرأة، فنظر إليها وحكم عليها من المرة الأولى: امرأة حمقاء لا تعقل، لا تحفظ مالها، ولا تعرف قيمة ما تملك.

بثقة من يرى نفسه أذكى، تآمر الرجل على حيلة ماكرة. اقترب منها واقترح عليها صفقة تبدو عادلة: “ألا أخلط مالي ومتاعي بمالك ومتاعك، ثم نقاسمه بعدل؟” لكن نيته الحقيقية كانت محفوفة بالغدر—فقد عزم أن يأخذ لنفسه الجيد من المتاع، ويعطيها الرديء والحقير.

بدأ بمزج متاعهما كما اتفقا. لكن عندما حان وقت القسمة والاقتسام، كانت هناك مفاجأة لم يتوقعها الرجل. لم ترض المرأة على هذه القسمة. نازعته وأظهرت له من الحنكة والشكوى ما جعله عاجزاً. ظلّت تلاحقه بحكمتها وإصرارها حتى اضطرّ في النهاية أن يفتدي منها بكل ما أرادت.

عندما عُوتِب الرجل على محاولته خداع امرأة ظنها ضعيفة: “كيف حاولت خداع امرأة؟” لم يملك إلا أن يعترف بحنكتها ويقول جملته الشهيرة: “تحسبها حمقاء وهي باخس”. كانت تظهر البساطة والغفلة، لكنها في الحقيقة أكثر منه دهاءً وحيلة وقدرة على الدفاع عن حقها.

دلالات المثل: ما وراء السطح

هذا المثل لا يتحدث عن قصة واحدة حدثت في الماضي، بل يعكس مبادئ إنسانية عميقة تتجاوز الزمن:

التغابي: فن إخفاء الذكاء

ربما تكون أكثر ابتكارات الذكاء الاجتماعي غموضاً هي فن “التغابي”—وليس هذا غباء حقيقياً، بل تظاهر مقصود بالبلاهة لتحقيق أهداف أكثر حنكة. كيف يعمل هذا؟

عندما يعتقد الآخرون أنك ساذج أو غير متطور، يشعرون بأمان أكبر حولك. يسقطون قناعهم، ويتحركون بسجيتهم الحقيقية. هذا يمنحك نافذة مباشرة إلى دوافعهم الأصيلة ونواياهم الحقيقية.

أيضاً، التغابي المؤقت يوفر عنصر المفاجأة. عندما يتوقع الآخرون منك ردة فعل ضعيفة أو بطيئة، وتأتيهم بذكاء وحنكة فجأة، تكون ضربتك أعمق وأكثر تأثيراً.

قوة المظهر الخادع

يعلّمنا المثل درساً بسيطاً لكن عميق الأثر: المظاهر خادعة. القيمة الحقيقية للشخص لا تكمن فيما يُظهره من قوة أو كلام، بل في جوهره وقدرته على الحكمة والتكيف وحماية مصالحه.

كم من إنسان صامت، قليل الكلام، يحمل في عقله وقلبه ذكاءً هادئاً يفوق ثرثرة من يتشدقون بالكلام بلا حكمة؟ الصمت أحياناً أقوى من الكلام.

تحذير من الاستخفاف

يحمل المثل رسالة تحذيرية قوية: لا تستخف بأحد. الشخص الذي يستهزئ بالآخرين ويحاول بخس حقوقهم، حتى وإن بدوا ضعفاء في البداية، يقع فريسة أخطائه بنفسه. محاولة خداع من تحسبه ساذجاً غالباً ما ترتد على الخادع نفسه وتفضح سوء حكمه.

الخاتمة: درس خالد من الحكمة

“تحسبها حمقاء وهي باخس” ليست مجرد عبارة تاريخية نسمعها من الأجداد، بل هي مدرسة متكاملة في الفطنة والدهاء والحكمة الخفية. إنها دعوة لنا جميعاً لنتوقف عن إطلاق الأحكام السطحية، وننظر بعمق إلى حقيقة الناس وقيمتهم الحقيقية.

في كل مجالات الحياة—من العمل والسياسة إلى التجارة والعلاقات الشخصية—ستجد أشخاصاً يتقنون هذا الدور بحنكة: من يظهرون البساطة ليجنوا ثمار اليقظة والحكمة.

السؤال الذي نتركه معك: هل أنت ممن يحكمون على الناس من مظهرهم الخارجي؟ أم أنك من يدركون أن وراء كل صمت وبساطة قد يكمن ذكاء وحكمة تفوق التوقعات؟