جمل صغير يرضع من أمه في الصحراء تحت أشعة الشمس، يرمز إلى العطاء الحقيقي الذي يُغذّي وينفع

لا خير في رَزَمَةٍ لا دِرَّة معها

في صحراء الحياة الممتدة، حيث تتردد أصداء الحكمة عبر الزمن، يأتينا مثل عربي أصيل يحمل في طياته درساً لا يشيخ أبداً: “لا خير في رَزَمَةٍ لا دِرَّة معها”. هذه الجملة البسيطة في ظاهرها تخفي عمقاً فلسفياً يمس جوهر العلاقة بين القول والفعل، بين الصوت والعطاء، بين الشكوى والإنتاج.

عندما تتكلم الصحراء بلسان الحكمة

تصوّر معي ناقة في قلب الصحراء، ترفع صوتها بحنين مؤثر، تُرزِم إرزاماً يشق السكون ويملأ الفضاء. لكن حين يقترب منها الراعي طلباً للبن، يجد ضرعها جافاً لا يقطر منه شيء. هنا بالضبط يكمن جوهر هذا المثل من الأمثال العربية الخالدة.

الرَّزَمَة هي صوت حنين الناقة، ذلك الصوت الذي قد يبدو مؤثراً وعميقاً، بينما الدِّرَة هي اللبن، العطاء الحقيقي والنفع الملموس. حين تجتمع الرزمة بلا درة، يصبح لدينا ضجيج فارغ، وعود بريق، كلمات تتطاير في الهواء دون أن تترك أثراً يُذكر.

من البادية إلى حياتنا المعاصرة

يحمل هذا المثل في عمقه فلسفة التطبيق العملي التي افتقدناها في زمننا الحالي. كم من شخص نلتقيه يملأ الدنيا وعوداً براقة وخططاً طموحة، لكن عند ساعة الحقيقة، تتبخر كل تلك الكلمات كما يتبخر الماء في صحراء قاحلة؟

في عصرنا الرقمي، أصبحت الرزمة أكثر حضوراً من أي وقت مضى. منصات التواصل الاجتماعي تعج بالمنشورات الملهمة والاقتباسات الحكيمة والنوايا الحسنة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين الدِّرة؟ أين العطاء الفعلي والإنجاز الملموس؟

الحزم والعزيمة: المسافة بين القول والفعل

يعلمنا أجدادنا أن الحزم والعزيمة لا يقاسان بحجم الصوت، بل بحجم الإنجاز. الناقة التي تدر اللبن بصمت أنفع بمراحل من تلك التي تملأ الصحراء صياحاً دون عطاء. هذه حقيقة تنطبق على كل مناحي الحياة:

في العمل، قيمة الموظف الحقيقية لا تكمن في جمال كلامه في الاجتماعات، بل في إنجازاته الفعلية على أرض الواقع. أما في العلاقات الإنسانية، فالحب الصادق يُترجم بالأفعال الصغيرة اليومية، وليس بالكلمات المنمقة التي تُقال ثم تُنسى. وفي التربية، الوالد الذي يعطي من وقته وجهده لأبنائه أكثر تأثيراً من ذاك الذي يكتفي بالنصائح المطولة.

دروس من تراثنا لواقعنا

البيئة الصحراوية التي أنتجت هذا المثل كانت بيئة قاسية لا ترحم الكلام الفارغ. في الصحراء، إما أن تُنتج أو تموت، إما أن تعطي أو تفنى. لم يكن للبدوي الأصيل رفاهية الاكتفاء بالوعود، فحياته كانت تعتمد على الإنتاج الفعلي والعطاء الملموس.

اليوم، حين نتأمل الأمثال العربية بعين الباحث عن الحكمة، ندرك أن أسلافنا تركوا لنا كنزاً من المعاني. هذا المثل تحديداً يدعونا لمراجعة أنفسنا والتساؤل بصدق:

  • هل نحن من أصحاب الرزمة فقط، أم أن لدينا درة نقدمها للعالم؟
  • هل كلماتنا تُترجم إلى أفعال، أم تظل معلقة في فضاء النوايا الحسنة؟
  • هل عطاؤنا حقيقي ملموس، أم مجرد وعود تتجدد دون تحقيق؟

رحلة التحول من الصوت إلى الإنتاج

السر في تجاوز فخ الرزمة بلا درة يكمن في تطوير ثقافة الفعل بدلاً من ثقافة الكلام. هذا يتطلب منا شجاعة مواجهة النفس، والاعتراف بأن الكلام الجميل سهل، بينما التطبيق العملي يحتاج جهداً وإصراراً.

عندما تعِد بشيء، اجعل وعدك عقداً مقدساً مع نفسك قبل غيرك. حين تتكلم عن مشروع أو هدف، خطط لخطواتك العملية قبل أن تعلن عنه. دع إنجازاتك تتكلم عنك قبل كلماتك. كن كالناقة التي تدر اللبن بسخاء، حتى لو لم يسمع أحد صوت حنينها.

خاتمة: عندما يلتقي القول والفعل

في نهاية هذه الرحلة مع حكمة أجدادنا، نعود إلى السؤال الجوهري: ما قيمة الكلام دون فعل؟ ما فائدة الصوت العالي دون عطاء حقيقي؟ أسلافنا أجابوا بوضوح: لا خير فيه، لا نفع منه، لا قيمة له.

فلنكن كالنخلة الباسقة التي تعطي ثمارها بسخاء دون أن تطلب تصفيقاً، ولنتعلم من الناقة الصامتة التي يجري اللبن من ضرعها بهدوء. في زمن الضجيج والصخب، يحتاج العالم إلى من يُنتج أكثر مما يحتاج لمن يتكلم.

فهل ستكون ممن يملكون الرزمة والدِّرة معاً، أم ستكتفي بالصوت دون العطاء؟