ارتفعت في ساحة واسعة صيحة واحدة من آلاف الناس: «آمنا برب الغلام». كان الغلام قد مات قبل لحظات بسهم رماه الملك بنفسه، وظنّ الملك أن الحكاية انتهت بموته. لكنها بدأت عندها فعلًا. هكذا تبلغ قصة أصحاب الأخدود ذروتها، وهي قصة سمعناها صغارًا من جدّة أو معلّم، ثم نسينا أين وردت تفاصيلها. في هذا المقال نجمع الصورة كاملة من قصص القرآن ومن السنة ومن كتب التاريخ، مع فصل واضح بين كل مصدر وآخر.
المحتويات
أصحاب الأخدود في القرآن: ماذا تقول سورة البروج؟
تذكر سورة البروج الحادثة بإيجاز شديد في الآيات من الرابعة إلى العاشرة. والأخدود شقّ طويل في الأرض يشبه الخندق، حفره الظالمون وأشعلوا فيه النار ليحرقوا المؤمنين. وبذلك تظهر قصة أصحاب الأخدود في القرآن لمحةً سريعة، ثم يكشف النص سبب الجريمة بجملة واحدة:
«وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (البروج: 8)
لم يرتكب المؤمنون ذنبًا سوى إيمانهم. ويدور مقصد السورة حول تثبيت المؤمنين على الأذى وتذكيرهم بمن سبقهم، كما تشرح كتب تفسير سورة البروج. أما عبارة «قُتل أصحاب الأخدود» فتعني اللعن للفاعلين الظالمين، ولا تعني المؤمنين الذين احترقوا.
وفي الآية العاشرة لفتة تستحق الوقوف. فقد فتح الله باب التوبة حتى لمن فتنوا المؤمنين، إذ قال: «ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا». وقد وقف عندها بعض السلف متعجبين من كرم الله.
قصة أصحاب الأخدود مكتوبة كما وردت في حديث صهيب
يوجز القرآن الحادثة، أما التفصيل فجاء في حديث صهيب الرومي رضي الله عنه عن النبي ﷺ. رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق (رقم 3005 في ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، و7511 في ترقيم آخر)، وللترمذي رواية برقم 3340 صححها الألباني. ويسميه كثيرون حديث الغلام والملك، وهو في جوهره قصة الغلام والساحر والراهب. إليك الحكاية بأسلوب مختصر:
كان في الأمم السابقة ملك له ساحر. شاخ الساحر فطلب من الملك غلامًا فطنًا يعلّمه السحر، فأرسل الملك إليه غلامًا.
كان الغلام يمرّ في طريقه براهب مؤمن، فيجلس إليه ويُعجب بكلامه. وبسبب ذلك تأخر عن الساحر وعن أهله، فنال الضرب من الجهتين. علّمه الراهب ما يقوله لكل طرف، وبقي الغلام يتردد عليه.
وذات يوم قطعت دابة عظيمة طريق الناس. أخذ الغلام حجرًا ودعا الله أن تموت الدابة إن كان أمر الراهب أحب إليه من أمر الساحر. ثم رماها فقتلها، وعبر الناس.
ذاع صيت الغلام بعدها، فصار يشفي الأكمه والأبرص. وجاءه جليس للملك فقد بصره، فقال له الغلام إن الشافي هو الله، فآمن الرجل وعاد إليه بصره. غضب الملك حين عرف، فعذّب الجليس حتى دلّه على الغلام، ثم عذّب الغلام حتى دلّه على الراهب. رفض الراهب والجليس الرجوع عن دينهما، فقتلهما الملك بالمنشار.
أراد الملك أن يتخلص من الغلام، فأرسله مع رجاله إلى قمة جبل، ثم إلى عرض البحر. دعا الغلام: «اللهم اكفنيهم بما شئت»، فهلك الرجال ونجا هو.
عاد الغلام إلى الملك وقال له: «إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به». واشترط أن يجمع الناس في مكان واحد، ويصلبه على جذع، ثم يرميه بسهم من كنانته قائلًا: «بسم الله رب الغلام». رمى الملك السهم فمات الغلام، فصاح الناس: «آمنا برب الغلام».
استشاط الملك حين رأى ما كان يخشاه. فأمر بحفر الأخاديد في أفواه الطرق وأشعل فيها النيران. وكان من رجع عن دينه ينجو، ومن أبى ألقوه فيها. وجاءت امرأة معها رضيع فتردّدت قبل أن تقتحم النار. هنا نطق الطفل: «يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ».
هكذا ينتهي الحديث بمشهد الأم وطفلها، فتكتمل قصة أصحاب الأخدود في أقصر صورة وأعمقها.
من هم أصحاب الأخدود تاريخيًا؟ ذو نواس ونجران
تتشعب قصة أصحاب الأخدود هنا بين النص والتاريخ. لا يحدد الحديث مكانًا ولا زمنًا ولا اسمًا للملك، لذلك ننسب كل معلومة إلى مصدرها ونميّز بين المستويات كما يوضح الجدول:
| المصدر | ما يقدمه | درجة الاعتماد |
|---|---|---|
| سورة البروج | الحادثة بإيجاز وسبب الجريمة | نص قرآني |
| حديث صهيب في صحيح مسلم | الغلام والراهب والساحر والملك | حديث صحيح |
| رواية ابن إسحاق | ذو نواس ونجران وعبد الله بن الثامر | رواية تاريخية |
| أقوال المفسرين | احتمالات متعددة في الفاعل والزمن | اجتهاد لا يُجزم به |
أصحاب الأخدود وذو نواس: رواية ابن إسحاق
ينسب ابن إسحاق الحادثة إلى ذي نواس الحميري، فيربط بين أصحاب الأخدود وأخدود نجران. ويذكر أن ذا نواس قتل في الأخدود نحو عشرين ألفًا، ونجا رجل واحد هو دوس ذو ثعلبان، ففرّ إلى قيصر. ويسمّي ابن إسحاق الغلام عبد الله بن الثامر في روايته عن نجران، بينما لا يذكر حديث صهيب اسمه.
أما وهب بن منبه فيذكر اثني عشر ألفًا، ويضيف أن ذا نواس غرق لاحقًا حين غلبه أرياط. وبعدها أرسل الروم الأحباش بقيادة أرياط وأبرهة، فاحتلوا اليمن بحجة الثأر لنصارى نجران. تختلف الأرقام إذن، ويحسن عرضها بوصفها روايات لا حقائق قاطعة.
اختلاف المفسرين
نقل ابن عطية أقوالًا عدة في تحديد أصحاب الأخدود: ملك فارسي أحرق من أنكر عليه زواج المحارم، وملك حميري، وقوم من بني إسرائيل. واختلفوا في زمنهم أيضًا، فجعلهم ابن إسحاق بعد المسيح، وجعلهم غيره قبله.
ما يقوله البحث التاريخي والأثري
تتباين تواريخ المصادر العربية بين 518 و520 و523 و524. أما الدراسات الحديثة فتذكر مجزرة نجران في نوفمبر 523م، وتشير إلى نقوش لقائد الحملة تعود إلى يونيو ويوليو من السنة نفسها. وكتب شمعون البيث أرشامي رسالته السريانية ردًّا على مذبحة نصارى نجران على يد ذي نواس، وهي من أهم المصادر. كذلك سقط في الاضطهاد نفسه الحارث بن كعب، زعيم مسيحيي نجران، سنة 523م.
ويرى عالم الآثار كريستيان روبان أن قتل عدد كبير من النصارى في نجران أمر ثابت. لكنه يشكك في تخييرهم بين دينهم واليهودية وفي الإحراق الجماعي، ويرجّح أن السيف أهلك أغلبهم. مع ذلك يبقى النص القرآني والحديث الصحيح هما المرجع الأول في القصة، أما الدراسات فتساعدنا على فهم السياق التاريخي.
أخدود نجران اليوم: زيارة الموقع الأثري
لا تزال قصة أصحاب الأخدود حاضرة في الجغرافيا. كانت المدينة القديمة في واحة نجران تسمى ظربان، وأطلق عليها الناس في العصر الإسلامي اسم «الأخدود». وتضم منطقة نجران أكثر من مئة موقع أثري. وقد أنشأت هيئة التراث مركز زوار لموقع الأخدود الأثري ضمن رؤية 2030، وفيه قاعة تعرّف بالقصة وأخرى مخصصة للأطفال.
نصائح قبل الزيارة:
- راجع مواعيد المركز قبل السفر.
- اقرأ حديث صهيب في الطريق لتربط المكان بالنص.
- خذ أطفالك إلى قاعتهم الخاصة.
وتبقى نسبة قصة أصحاب الأخدود إلى هذا الموقع من الروايات التاريخية، لا من نص الحديث.
دروس من قصة أصحاب الأخدود والعبرة منها
تحمل قصة أصحاب الأخدود معاني كثيرة، وأهمها ما يلي:
- الثبات على الإيمان أمام الإغراء والتهديد: ساومهم الملك على حياتهم، فاختاروا عقيدتهم.
- أثر الشاب الصادق: غلام واحد غيّر قناعات مدينة كاملة.
- الانتصار للفكرة لا للشخص: قال الغلام «بسم الله رب الغلام» ولم يطلب المجد لنفسه.
- عجز القوة والبطش عن قتل المعتقد: قتل الملك الغلام، ولم يستطع قتل الإيمان.
- اللجوء إلى الله: ورد دعاء «اللهم اكفنيهم بما شئت» في سياق هذه القصة، وقد شرحه الشيخ خالد السبت ضمن حديث صهيب.
- القصص وسيلة تعليم نبوية: ذكر الشيخ خالد السبت أن على المسلم أن يتدبر القصص ويستخرج منها الفوائد.
- الأمهات والثبات: تردّدت المرأة أمام النار، فثبّتها كلمة رضيعها.
- الفوز الحقيقي ليس النجاة الدنيوية: وصف القرآن مصير المؤمنين بقوله «ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» (البروج: 11).
والعبرة من قصة أصحاب الأخدود لا تكتمل بالقراءة وحدها، فجرّب هذه الخطوات:
- اقرأ سورة البروج مع تفسير مختصر، وتوقف عند الآية العاشرة.
- احكِ القصة لأطفالك، وركّز على عبارة «اصبري فإنك على الحق».
- اسأل نفسك: في أي موقف تثبت اليوم، وفي أي موقف تتراجع؟
خاتمة: ثبات صغير يصنع أثرًا كبيرًا
في نهاية المطاف، تبقى قصة أصحاب الأخدود شاهدًا على أن النار والسيف لا يقتلان الإيمان. كان الغلام صغيرًا في السن، لكن ثباته أسقط حسابات الملك كلها. فاسأل نفسك: ما الكلمة التي ثبّتك الله بها يومًا، ومن ثبّتّ أنت بكلمة؟ شاركنا تجربتك في التعليقات.
اقرأ أيضًا على pictwords.com:

