لطالما كان الزمن محورًا أساسيًا في الفكر والأدب العربي، فهو ليس مجرد أداة لقياس اللحظات، بل قوة عظمى، شاهد على التقلبات ومؤدب للحياة. ومن هذا التفاعل العميق بين الإنسان والزمن ولدت حِكمٌ عظيمة، تختزل آلاف السنين من الخبرة في عبارة موجزة واحدة. من بين هذه اللآلئ المضيئة، يبرز المثل العربي: “من سابق الدهر عثر”.
المحتويات
المعنى الشارح للمثل: بين التسرع والتعثر
يعد المثل “من سابق الدهر عثر” تحذيرًا بليغًا من التهور والرغبة في تجاوز طبيعة الأشياء وسيرورتها الزمنية.
من سابق الدهر
تُشير المسابقة هنا إلى محاولة المرء التعجل في قطف الثمار قبل نضجها، أو الإسراع في تحقيق الأهداف دون مراعاة السنن الكونية، أو تحدي قدرة الزمن على التغيير والتقلب. إنه شخص يحاول أن يتفوق على قدر الحياة نفسه، أو أن يتخطى المراحل الضرورية للتطور والنضج.
عَثَر
يعني سقط أو زلّت قدمه. هذه النتيجة الحتمية تُشير إلى أن محاولة تحدي مسار الزمن تؤدي إلى الخسارة والفشل المؤكد. من يريد أن يحصد دون أن يزرع ويصبر، أو أن يصل إلى القمة دون بناء السلالم خطوة بخطوة، فإن مصيره هو التعثر والسقوط.
لا يمكن للإنسان أن يغالب تقلبات الحياة وأقدارها بقوته المجردة أو تسرعه، بل عليه أن يتخذ خطواته بتؤدة وحكمة متناغمة مع إيقاع الدهر.
أصل المثل ومورده الأدبي
على الرغم من أن الأمثال غالبًا ما تُروى بقصص شعبية، إلا أن مثل “من سابق الدهر عثر” يندرج ضمن الحكم المُرسلة التي قالها الحكماء والملوك والأدباء، وهي تُستمد قوتها من صدقها وحكمتها المجرّدة.
مورده
ورد هذا المثل في سياق حكم جذيمة الأبرش، أحد ملوك العرب الأوائل في الجاهلية، وقد ذكره الثعالبي في كتابه “الإعجاز والإيجاز” ضمن كلام الملوك وحِكمهم، ليدل على أنه حكمة راسخة وعريقة في الثقافة العربية.
سياق الاستعمال
كان يقال في سياق التحذير من طغيان المُلك أو التسرع في اتخاذ القرارات المصيرية. إن الملك الذي يستأثر بالسلطة ويتحدى نواميس الكون والقضاء، أو الشخص الذي يتعجل نتائج أفعاله، سيتلقى ضربة مفاجئة من الدهر الغلّاب.
دروس وعبر خالدة للحياة الحديثة
كيف يمكننا تطبيق هذه الحكمة القديمة في عالمنا الذي يسيطر عليه شعار “الآن وفوراً”؟
احترام السيرورة
في أي مجال، سواء كان التعلم، بناء مشروع، أو حتى التداوي من مرض، هناك خطوات لا يمكن اختصارها. محاولة القفز فوق هذه الخطوات سواء بالاحتيال أو التسرع أو الاستعجال سيؤدي إلى بناء هش ينهار عند أول اختبار.
- في العلم: من طلب العلا سهر الليالي، لا يمكن تحصيل المعرفة في يوم وليلة
- في العمل: يجب احترام دورة الإنتاج والتخطيط الجيد قبل التنفيذ
التوازن بين الطموح والصبر
الدهر لا يعني الاستسلام للكسل، بل التوازن بين الطموح المشتعل والصبر الهادئ. يجب أن تسعى بجد، ولكن بروية. المثل يدعو إلى التأني واستيعاب متغيرات السوق والحياة، وعدم المغامرة بتهور دون دراسة متأنية.
تقبّل العثرات كجزء من الطريق
إذا كان من سابق الدهر عثر، فهذا يعني أن العثرة هي نتيجة منطقية للتسرع. التعثر ليس نهاية المطاف، بل هو دعوة لإعادة تقييم المسار وتعديل السرعة. تقبّل الأخطاء يعيدنا إلى إيقاع الدهر الصحيح، حيث تعلمنا التجربة.
أهمية توقيت الفعل
أحيانًا تكون المشكلة ليست في الفعل نفسه، بل في توقيته. فربّ رمية من غير رام، وقد تكون الرمية موفقة، لكن لا يمكن الاعتماد على الصدفة ومسابقة الزمن دائمًا. إن الحكمة تقتضي الانتظار حتى تهب الرياح المناسبة، بدلاً من مجادلة الرياح وهيجانها.
خلاصة القول
إن المثل “من سابق الدهر عثر” ليس مجرد عبارة قديمة، بل هو فلسفة حياة تذكرنا بأننا جزء من نظام أكبر، وأن المبالغة في السرعة تودي بنا حتماً إلى الزلل. لذا، فلنخطو خطواتنا في هذه الحياة بذكاء وحكمة، مع إجلال لنواميس الزمن.
تعلمنا هذه الحكمة العربية القديمة أن الصبر والتأني ليسا ضعفًا، بل قوة حقيقية تمنحنا القدرة على التناغم مع إيقاع الحياة، وتجنب العثرات التي تنتظر المتسرعين.

