رجل مسن يجلس داخل مخزن مليء بالعملات الذهبية والمقتنيات القديمة في أجواء مظلمة وتأملية

كَمْ لَكَ مِنَ خُبَاسَةٍ لاَ تُقْسَمُ

يقال أحياناً إن أعمق الحِكَم تأتي في أقل الكلمات. مثلٌ عربيٌّ قديم لا يتجاوز خمس كلمات، إلا أنه يصف نمطاً من الناس تجده في كل زمانٍ ومكان: أولئك الذين يكدحون ليل نهار، يجمعون ويكنزون، ثم لا يطعمون من ثمار جهدهم ما يشبع روحاً ولا جسداً. “كم لك من خُبَاسة لا تقسم” — جملةٌ تحمل في طيّاتها سؤالاً لا يستطيع كثيرون الإجابة عنه.

ما معنى خُبَاسة في اللغة العربية؟

تنتمي هذه الكلمة إلى معجم التراث العربي الأصيل، وقد وردت في لسان العرب بمعنى الغنيمة. يقال رجلٌ خَبَّاس، أي غنَّام كثير الغنائم، مَن تتجمع في يده الأشياء وتتراكم. والخُبَاسة إذن ليست مجرد مال بالمعنى الضيق، بل هي كل ما اغتنمتَه وضممتَه إليك، بجهدٍ أو بحظٍّ أو بالاثنين معاً.

غير أن ما يمنح هذه الكلمة بريقاً خاصاً هو السياق الذي وردت فيه، إذ جاء المثل ليقلب دلالة الوفرة رأساً على عقب.

المثل وما يضرب له

يضرب “كم لك من خُبَاسة لا تقسم” لوصف مَن يجمع المال بجهدٍ لا يهدأ وكدٍّ متواصل، ثم لا يعود له في ذلك المال حظٌّ يذكر. لا في مطعمٍ يقيم صلبه، ولا في ملبسٍ يرتاح إليه، ولا في أي متعة بسيطة من متع الحياة اليومية.

تحمل الجملة نبرة استنكارية لطيفة لا تخطئها الأذن العربية: “كم لك” توحي بالكثرة والوفرة، بينما “لا تقسم” تكشف التناقض الصارخ بين ما يملكه الإنسان وما ينتفع به فعلاً.

من نحن في هذه المعادلة؟

ربما يقف كثيرون عند هذا المثل ويشعرون بوخزةٍ داخلية، لأنه يصف أحوالهم عن قرب. نعمل طويلاً، نوفّر بحذر، ونقول لأنفسنا “لاحقاً سأستمتع”… ثم يمضي الوقت دون أن يأتي ذلك اللاحق. وفي نهاية المطاف، يتبيّن أن ما جمعتَه من غنيمة لا يقسم على أيامك ولا على عمرك، ليس لأن أحداً أخذه، بل لأنك لم تأخذ منه أنت.

تلخّص كثير من الحكم عن المال هذه الحقيقة المُرّة:

  • “المال عبدٌ لمن ينفقه، وسيّدٌ لمن يكنزه.”
  • “الشحيح يموت ومال غيره بين يديه.”
  • “لا خير في مالٍ لا يسعد صاحبه.”

تدور كلها في فلكٍ واحد: المال وسيلة لا غاية. وحين يصبح غاية بحد ذاتها، يتحوّل جامعُه من مالكٍ إلى حارس.

الخُبَاسة في مرآة الأدب العربي

رصد الجاحظ في كتابه “البخلاء” شخصياتٍ بعينها تجمع وتكنز، ثم حين المسألة لا يعطون، وحين يرحلون يتركون ما جمعوا لغيرهم. فالخُبَاسة التي لا تقسم ليست ظاهرة اقتصادية فحسب، بل حالة نفسية عميقة مرّ عليها التراث العربي بسخريةٍ ذكية ونظرة إنسانية ثاقبة.

فلسفة صغيرة في ختام المقال

لا يدعو هذا المثل إلى التبذير أو الإنفاق الأعمى، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. كل ما تجمعه دون أن تعيش به أو يعيش به غيرك يبقى خُبَاسة في حراسة صاحبها لا في خدمته.

تأمّل ما بين يديك اليوم، مالاً كان أم وقتاً أم موهبة، واسأل نفسك بصدق: هل أقسّم هذه الغنيمة على حياتي فعلاً؟ أم ما زلت أؤجل؟

معاني الكلمات في التراث ليست للقراءة فقط، بل لتعيشها وتفكر فيها. وخبَاسة واحدة من تلك الكلمات التي تحمل في حروفها القليلة أسئلةً كبيرة لا تنتهي.