عبارة عربية مكتوبة داخل إطار وردي مزخرف تحيط به زهور بنفسجية، ترمز إلى جمال الكلام المعسول عند الخِطبة.

كلُّ خاطِبٍ على لسانِهِ تَمْرةٌ

هل لاحظت يوماً كيف يتحول البعض فجأة إلى شعراء وبلغاء عندما يحتاجون منك خدمة؟ تلك اللحظة التي يصبح فيها الكلام أحلى من العسل، والعبارات أنعم من الحرير! هذا بالضبط ما تصفه لنا كلمة اليوم: كلُّ خاطِبٍ على لسانِهِ تَمْرةٌ، الذي يكشف بذكاء عربي أصيل الفارق الدقيق بين صدق المودة وعذوبة المصلحة.

المعنى الحقيقي وراء المثل

يُضرب هذا المثل لكل شخص يلين كلامه وتجود قريحته بأعذب الألفاظ فقط عندما يطلب حاجة معينة. تماماً كما يحرص الخاطب الذي يطلب الزواج على إظهار أفضل ما لديه من كلام جميل ولباقة لإقناع أهل العروس، يتبع صاحب المصلحة المنهج ذاته في حياتنا اليومية.

تحمل التمرة هنا رمزية عميقة، فهي تشير إلى الحلاوة واللين والطعم المستساغ الذي يخرج من فم طالب الحاجة. بينما يمثل الخاطب كل من يسعى لنيل غرض أو تحقيق مأرب، سواء كان صغيراً أو كبيراً.

لماذا اختار العرب التمرة بالذات؟

لم يكن اختيار التمرة في هذا المثل عبثاً أبداً. كان التمر وما زال رمزاً للقيمة والحلاوة في الجزيرة العربية، فهو غذاء وحلوى وضيافة في آن واحد. عندما نقول إن على لسان شخص ما تمرة، فهذا يعني أنه لا يخرج منه إلا كل حلو وطيب.

لكن المفارقة الساخرة في المثل أن هذا الحلو قد يختفي تماماً بمجرد انتهاء الخطبة أو قضاء الحاجة! فالتمرة ليست جزءاً دائماً من شخصية الإنسان، بل قناع مؤقت يرتديه عند الضرورة.

السياق الاجتماعي للمثل

استخدم العرب هذا المثل في سياقات النقد الساخر والتنبيه الذكي. إنه دعوة صريحة للحذر من المتملقين الذين يغيرون نبرة صوتهم وطريقة تعاملهم بمجرد اقترابهم من هدف معين.

يقول الحكماء: “ليس كل من نطق بالجميل كان قلبه جميلاً، فبعض الكلام ثيابٌ تُرتدى لتغطية المقاصد.”

هذه الحكمة تلخص جوهر المثل، فالفصاحة أحياناً تصبح أداة للتخفي وراء النوايا الحقيقية، بدلاً من أن تكون تعبيراً صادقاً عن المشاعر.

الفرق بين اللباقة والتملق

يجب أن نفرق هنا بين أمرين مختلفين تماماً:

  • اللباقة الحقيقية: تلك التي تنبع من أخلاق راسخة وتظل ثابتة في كل الأحوال، سواء كان لديك حاجة أم لا.

  • التملق المؤقت: ذلك الذي يظهر فجأة عند الحاجة، ثم يختفي بمجرد تحقيق المراد.

المثل ينتقد النوع الثاني بطريقة بلاغية ساخرة، دون أن ينكر أهمية حسن الكلام والتعامل الراقي كصفة دائمة.

كيف نطبق حكمة المثل في عصرنا؟

رغم قدم هذا المثل، إلا أن تطبيقاته في حياتنا المعاصرة لا تنتهي. سواء في بيئة العمل أو العلاقات الاجتماعية، نحتاج لاستيعاب دروسه:

الفطنة والانتباه

لا تنجرف خلف الوعود المعسولة دون تمحيص. راقب سلوك الناس في الأوقات العادية، لا فقط عندما يحتاجونك. الشخص الأصيل يحافظ على أسلوبه الطيب في كل الظروف.

الصدق مع النفس

اجعل لسانك طيباً دائماً، وليس فقط عندما تريد الحصول على شيء من الآخرين. الأخلاق الحقيقية تظهر في التعامل المستمر، لا في اللحظات المصلحية.

التوازن في العلاقات

تعلم التمييز بين اللباقة المستمرة التي تعكس تربية سليمة، وبين التملق المؤقت الذي يخفي نوايا مصلحية. هذا الوعي يحميك من الخداع ويساعدك على بناء علاقات صحية ومتوازنة.

دروس من بلاغة العرب

تكشف الأمثال العربية القديمة مثل هذا عن عمق الملاحظة العربية للسلوك البشري. استطاع أجدادنا أن يختزلوا تجارب إنسانية معقدة في جمل بسيطة تحمل معاني عميقة.

تبرز بلاغة العرب هنا في قدرتهم على استخدام الرمز (التمرة) للتعبير عن مفهوم مجرد (التملق)، مما يجعل المثل سهل الحفظ وعميق الأثر في نفس الوقت.

الجوهر الحقيقي للإنسان

يظل هذا المثل تذكيراً أبدياً بحقيقة مهمة: جوهر الإنسان يظهر في تعامله حين لا تربطه بالآخرين مصلحة، لا حين يغلف لسانه بالحلاوة ليبلغ مراده.

عندما تختبر شخصاً حقاً، انظر إلى كيفية تعامله معك في الأوقات العادية، عندما لا يحتاج شيئاً منك. هنا تكتشف طبيعته الحقيقية، بعيداً عن قناع التمرة الذي قد يرتديه عند الحاجة.

كلمة أخيرة

يبقى الأدب العربي مرآة تعكس طباعنا بذكاء وبراعة لا مثيل لهما. ومعاني الأمثال التي نرثها عن أسلافنا ليست مجرد كلمات جميلة، بل دروس حياتية نحتاجها في كل زمان ومكان. ولعل مقولة “كلُّ خاطِبٍ على لسانِهِ تَمْرةٌ” لتحليل بليغ للذات الإنسانية المتصفة بالوصولية والانتهازية.

حاول أن تكون ذلك الشخص الذي يحمل التمرة على لسانه دائماً، لا فقط عند الخطبة. اجعل حلاوة كلامك وطيب تعاملك جزءاً من شخصيتك الأصيلة، لا قناعاً تستعيره عند الحاجة فقط.