تمثال برونزي ضخم لحاكم أو ملك آسيوي يجلس على عرش، يرمز إلى القوة والسلطة، ولكنه في سياق العنوان يمثل الاستبداد وسوء الحكم.

شر الحكام من خافه البريء، وأمِنه المجرم!

تبدأ الأمم العظيمة تاريخها بالسيوف وتنهيه بالحكمة. وربما لا يوجد مكان على وجه الأرض يجمع بين هذا التناقض الجميل مثل الهند، أرض التوابل والفلسفة. ومن كنوز الأدب الهندي القديم، يبرز مثلٌ قوي، لا يزال صداه يتردد في أروقة السياسة والأخلاق: “شر الحكام من خافه البريء، وأمنه المجرم!”

رحلة في معنى المثل وأصوله الهندية

ينبع هذا المثل من التراث الهندي العريق، حيث كانت الحكمة تنقش على جدران المعابد وتروى في المجالس. يشير المثل إلى أسوأ أنواع الحكام – ذلك الذي يقلب موازين العدالة رأساً على عقب، فيُلاحق الأبرياء ويمنحهم ثوب الاتهام، بينما يغدق على المجرمين أردية الأمان والحماية.

تستخدم الثقافة الهندية هذا التعبير لوصف الأنظمة الفاسدة التي تفتقر للحكمة والإنصاف. المثل يحمل دلالة أعمق من مجرد وصف الظلم، فهو يكشف عن انقلاب كامل في الفطرة السليمة، حيث يصبح الحاكم أداة للفساد بدلاً من أن يكون حارساً للعدل.

تحليل أدبي: العدل في الميزان المقلوب

عندما نتأمل هذا المثل من منظور أدبي وسياسي، نجد أنه يرسم صورة قاتمة للسلطة المنحرفة. البريء هنا ليس مجرد إنسان لم يرتكب جرماً، بل هو رمز للحق المسحوق تحت أقدام الطغيان. والمجرم ليس فقط من ارتكب الإثم، بل هو تجسيد للفساد الذي يجد في ظل الحاكم الظالم حاضنة دافئة.

يقول أحد الفلاسفة الهنود القدماء: “حين يصبح الحاكم أعمى عن الحقيقة، تتحول المملكة بأسرها إلى سجن كبير للأبرياء وجنة للمفسدين”.

الأبعاد النفسية للظلم السياسي

يكشف المثل عن ديناميكية نفسية معقدة في الحكم الظالم. الحاكم الذي يخيف البريء غالباً ما يفعل ذلك لأسباب متعددة:

  • قد يخشى من قوة الحق التي يمثلها البريء
  • ربما يجد في تأمين المجرم وسيلة لضمان ولائه وشراكته في الفساد
  • أحياناً يعكس هذا السلوك ضعفاً داخلياً يخفيه الحاكم خلف قناع القوة المزيفة

الأدب الهندي وموضوع الحكم والعدالة

يزخر الأدب الهندي بقصص وحكايات تناولت موضوع العدل في الحكم. من ملاحم “الماهابهاراتا” إلى حكايات “البانشاتانترا“، نجد أن الثقافة الهندية أعطت اهتماماً كبيراً لمفهوم الحكم العادل.

في إحدى القصص الشهيرة، يُروى عن ملك ظالم كان يعاقب الفلاحين الفقراء على أتفه الأسباب، بينما كان يسمح لوزرائه الفاسدين بنهب خزائن الدولة. انتهى حكمه بثورة شعبية أطاحت بعرشه، وأصبح مثلاً يُضرب في عواقب الظلم ومآل شر الحكام.

دروس من التاريخ الهندي

شهدت الهند عبر تاريخها الطويل أنواعاً مختلفة من الحكام. البعض منهم مثل الإمبراطور أشوكا الذي تحول من حاكم قاسٍ إلى رمز للعدل والرحمة، والبعض الآخر ظل غارقاً في ظلمه حتى أفل نجمه.

يذكرنا هذا المثل الهندي بأن شر الحكام ليس فقط في ظلمه المباشر، بل في قلبه لمعايير الحق والباطل، مما يخلق مجتمعاً مشوهاً تُقدَّر فيه الرذيلة وتحارَب الفضيلة.

تطبيقات معاصرة للمثل

رغم قِدم هذا المثل، إلا أن صداه يتردد في عصرنا الحالي. نرى في كثير من الأنظمة السياسية حول العالم كيف يُضطهد المعارضون الشرفاء ودعاة الإصلاح، بينما يُمنح الفاسدون والمنتفعون مواقع القوة والنفوذ.

المثل يدعونا للتفكير في معايير اختيار القادة وأهمية المحاسبة. فالحاكم الذي يخيف البريء ويؤمن المجرم لا يبني دولة، بل يؤسس لخرابها المحتوم.

الحكمة الخالدة: ماذا نتعلم؟

يعلمنا هذا المثل الهندي دروساً ثمينة:

  • العدل هو أساس الحكم الصالح، وبدونه تنهار الأمم
  • الظلم قد ينتصر لحين، لكن الحق في النهاية هو الأقوى
  • المجتمع الذي يكافأ فيه المجرم ويعاقَب فيه البريء محكوم عليه بالانهيار
  • مسؤولية المواطنين في مراقبة الحكام ومحاسبتهم

خاتمة: كيف نميز القائد العادل؟

إن المعيار الحقيقي لنجاح أي قائد ليس قوة جيوشه أو عظمة بناياته، بل هو الشعور الكامن في قلوب شعبه. إذا كان البريء ينام قرير العين ويستيقظ وهو آمن على رزقه وعرضه، وإذا كان المجرم لا يجد له موطئ قدم أو ملجأ، فهذا هو التعريف الحقيقي للقيادة العادلة. لنتذكر دائمًا هذا المثل القوي؛ فهو بوصلة العدل في بحر السياسة المتلاطم.