تمثال الحرية الشهير في مدينة نيويورك يظهر في وسط أفق المدينة المزدحم، يرمز إلى المشهد السياسي والتحول في القيادة بانتخاب سياسي جديد.

زهران ممداني: سياسي الجيل الجديد الذي هز نيويورك بفوز تاريخي

يُصنع التاريخ أحيانًا من حيث لا نتوقع. في نوفمبر 2025، شهدت نيويورك حدثًا سياسيًا استثنائيًا حين فاز زهران ممداني بمنصب رئيس بلدية المدينة، ليصبح أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخها. لكن قصة هذا الرجل تتجاوز مجرد إنجاز انتخابي، فهي رحلة منسوجة من خيوط المنفى والفن والنضال السياسي.

من هو زهران ممداني؟ نشأة بين ثقافات متعددة

ولد زهران ممداني في كمبالا بأوغندا، وترعرع في بيئة فكرية وفنية استثنائية. والده محمود ممداني، المفكر السياسي البارز الذي طُرد من أوغندا عام 1972 بسبب أصوله الهندية، ثم سُحبت منه جنسيته عام 1984 لمعارضته السياسية. أما والدته فهي المخرجة السينمائية الشهيرة ميرا ناير، صاحبة أفلام عالمية مثل “Monsoon Wedding” و”Mississippi Masala”.

انتقلت العائلة إلى جنوب إفريقيا عندما كان زهران في الخامسة، قبل أن تستقر في نيويورك وهو في السابعة. درس في مدرسة برونكس الثانوية للعلوم، ثم حصل على شهادة في الدراسات الإفريقية من كلية بودوين.

مسارات متوازية: بين الهيب هوب والنضال الاجتماعي

عمل ممداني قبل دخوله السياسة في مجالين يبدوان متناقضين للوهلة الأولى، لكنهما في الحقيقة يعكسان شخصيته المتعددة الأبعاد:

في عالم الموسيقى: اتخذ اسم “Mr. Cardamom” الفني وخاض تجربة موسيقى الهيب هوب، معبرًا عن قضايا اجتماعية وثقافية من خلال الإيقاع والكلمة.

في ميدان النضال: كرس نفسه للدفاع عن حقوق المستأجرين كمستشار سكني، يقاتل ضد عمليات الإخلاء في مدينة تعاني من أزمة إسكان خانقة. يصف هذه التجربة بأنها “تحويلية” وشكلت وعيه السياسي العميق.

الصعود السياسي: من مجلس الولاية إلى رئاسة البلدية

بدأت رحلة ممداني السياسية بفوز مفاجئ في الانتخابات التمهيدية لمجلس ولاية نيويورك عن الدائرة 36، حيث أطاح بمنافس راسخ في الحزب الديمقراطي. حظي بدعم عضوة الكونغرس ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز التي أعلنت في رسالة واضحة: “أنا هنا بكل فخر وقوة لأضع زهران ممداني في المرتبة الأولى”.

دعمت والدته ميرا ناير حملته بشكل مباشر، حيث أخذت استراحة من عملها السينمائي لتطهو البرياني والدجاج للمتطوعين، في مشهد يعكس الدفء العائلي والالتزام الجماعي.

في نوفمبر 2025، تُوج هذا الصعود بفوزه التاريخي برئاسة بلدية نيويورك، ليصبح أول مسلم يشغل هذا المنصب الرفيع.

رسالة قوية إلى ترامب: موقف سياسي واضح

بعد فوزه مباشرة، وجه ممداني رسالة حازمة إلى الرئيس دونالد ترامب، أكد فيها أن نيويورك ستبقى مدينة ملاذ للمهاجرين رغم السياسات الفيدرالية المتشددة. قال في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام العربية: “لن نسمح بملاحقة سكاننا أو ترحيلهم بشكل تعسفي، ونيويورك ستحمي جميع سكانها بغض النظر عن وضعهم”.

يعكس هذا الموقف التزام ممداني بمبادئه التقدمية، ويضعه في مواجهة مباشرة مع الإدارة الفيدرالية حول قضايا الهجرة والحقوق المدنية.

راما دوجي: شريكة الحياة والنضال

تزوج زهران من راما دوجي، الفنانة السورية المتخصصة في الرسم والرسوم المتحركة، التي نشرت أعمالها في “واشنطن بوست” و”النيويوركر”. التقيا عبر تطبيق المواعدة “Hinge”، في قصة حب عصرية تعكس روح جيلهما.

واجه الزوجان هجومًا من “متصيدين يمينيين” على الإنترنت، استهدف راما بسبب دعمها للقضية الفلسطينية من خلال فنها. رد زهران بحسم، ناشرًا صور زفافهما على إنستغرام مع تعليق واضح: “قبل ثلاثة أشهر، تزوجت من حب حياتي راما. يمكنكم انتقاد آرائي، ولكن ليس عائلتي”.

ردود فعل دولية: غضب إسرائيلي وترحيب عربي

أثار فوز ممداني ردود فعل متباينة على الساحة الدولية:

في إسرائيل: أعرب سياسيون يمينيون عن قلقهم البالغ، معتبرين أن وصوله لرئاسة بلدية نيويورك يشكل تهديدًا لمصالحهم، خاصة مع مواقفه الداعمة للحقوق الفلسطينية.

في العالم العربي: رحبت وسائل إعلام عربية بارزة مثل “الشرق الأوسط” و”سكاي نيوز عربية” و”CNN بالعربية” بفوزه، واصفة إياه بـ”اليساري المسلم الداعم لفلسطين”.

دلالات الفوز: ماذا يعني للمسلمين والأقليات؟

يحمل فوز زهران ممداني رمزية عميقة للمسلمين والأقليات في أمريكا:

  • كسر الحواجز التقليدية أمام المسلمين في المناصب القيادية الكبرى
  • إثبات قدرة المهاجرين وأبنائهم على الوصول لأعلى المناصب
  • تأكيد أهمية التنوع الثقافي في المشهد السياسي الأمريكي
  • فتح الباب أمام جيل جديد من القادة ذوي الخلفيات المتعددة

التحديات المقبلة: نيويورك في عهد جديد

يواجه ممداني تحديات ضخمة كعمدة لنيويورك، أبرزها:

  • أزمة الإسكان المتفاقمة التي عايشها عن قرب خلال عمله
  • العلاقة المتوترة مع الحكومة الفيدرالية بقيادة ترامب
  • إدارة مدينة متنوعة بملايين السكان وثقافات لا حصر لها
  • تحقيق التوازن بين مبادئه التقدمية والواقع السياسي المعقد

خاتمة: أكثر من مجرد فوز انتخابي

تمثل قصة زهران ممداني نموذجًا ملهمًا للقائد المعاصر الذي يجمع بين الفن والسياسة، بين الجذور المتعددة والهوية المحلية، بين المبادئ الثابتة والمرونة العملية. فوزه برئاسة بلدية نيويورك ليس مجرد إنجاز شخصي، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في المجتمع الأمريكي، حيث تتسع دوائر المشاركة السياسية لتشمل أصواتًا كانت مهمشة.

يحمل ممداني معه إلى منصبه إرثًا غنيًا من النضال ضد الظلم، ورؤية واضحة لمدينة أكثر عدالة وشمولية، ورسالة قوية مفادها أن التنوع ليس عبئًا بل قوة. وبينما يخطو خطواته الأولى في مكتب العمدة، يبقى السؤال: هل سينجح في تحويل رؤيته إلى واقع ملموس في شوارع نيويورك؟