أحفورة سمكة بحرية محفوظة داخل صخرة رسوبية، تمثل اكتشافًا علميًا يساهم في فهم تطور الحياة البحرية وتاريخ المحيطات القديمة.

الاكتشاف الأحفوري العربي الذي يعيد كتابة تاريخ المحيطات

أعلن فريق بحثي دولي بقيادة مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عن اكتشاف أحفوري استثنائي في موقع يحمل اسم “قريّة 3″، يعود عمره إلى نحو 62.2 مليون سنة. يعدّ هذا الاكتشاف الأحفوري واحدًا من أهم ما شهده علم الحفريات في العقود الأخيرة، إذ يكشف عن لحظة مفصلية في تاريخ الحياة البحرية على كوكبنا، تلك اللحظة التي بدأت فيها أسماك المحيطات التي نعرفها اليوم تأخذ شكلها الحديث. نشرت نتائج هذا البحث مجلة Science Advances في يونيو 2026.

الصحراء التي كانت ذات يوم بحرًا

يصعب على المرء أن يصدّق للوهلة الأولى أن الصحراء الشرقية الجرداء الحارة كانت قاعَ محيط يغصّ بالحياة. غير أن الجيولوجيا لا تجامل أحدًا؛ فطبقات الصخر تروي في صمت قصةً لا تتغير مهما تبدّلت المناظر الطبيعية فوقها.

موقع "قريّة 3"

يقع موقع “قريّة 3″ ضمن تشكيلات صخرية تعود إلى أوائل العصر الباليوسيني، في المنطقة التي كانت تعرف جيولوجيًا بـ”التيثيس الغربي”. أي المحيط الاستوائي القديم الذي امتدّ عبر ما هو اليوم شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وهكذا، فإن حفريات الصحراء الشرقية التي نتحدث عنها ليست سوى شاهد صامت على بحر اختفى منذ أمد بعيد.

يصنَّف هذا الموقع من فئة مواقع “لاغريشتات” (Lagerstätten)، وهو مصطلح ألماني يشير إلى المواقع الأحفورية النادرة التي تتميز بجودة حفظ استثنائية للكائنات القديمة. فبدلًا من بقايا متناثرة وعظام مهشّمة، يضمّ هذا الموقع مئات الهياكل العظمية شبه المكتملة محفوظةً بتفاصيل دقيقة، وكلّما نادرت مواقع لاغريشتات من الحقب الجيولوجية البعيدة كلّما ازداد الاكتشاف الأحفوري قيمةً علميةً لا تقدَّر.

فئة مواقع "لاغريشتات" (Lagerstätten)

ساهمت ظروف بيئية خاصة في نشأة هذا الكنز الجيولوجي. إذ كشفت التحاليل أن درجات الحرارة في تلك الحقبة كانت أعلى بنحو درجتين إلى ثلاث درجات مئوية مما هي عليه اليوم. مما أتاح ظروفًا ملائمة للحفاظ على الهياكل العظمية عبر الزمن بصورة لا نراها في معظم المواقع الأخرى.

فجوة باترسون: اللغز الذي حيّر الجيولوجيين عقودًا

فجوة باترسون

قبل التحدث عن دلالات هذا الاكتشاف الأحفوري، لا بدّ من التعريف بلغز علمي قديم يُعرف في الأوساط الأكاديمية بـ”فجوة باترسون”، لأن المشروع برمّته كان يسعى منذ البداية إلى البحث عن إجابة لهذا اللغز تحديدًا.

سمّيت هذه الظاهرة نسبةً إلى عالم الحفريات البريطاني كولن باترسون، الذي رصد في تسعينيات القرن الماضي غيابًا ملفتًا في السجل الأحفوري للأسماك العظمية الحديثة خلال الفترة المحيطة بانقراض نهاية العصر الطباشيري. فبينما تتوافر حفريات وفيرة لهذه الأسماك في طبقات العصر الطباشيري وأخرى غنية في طبقات الإيوسين المبكر (حوالي 56 مليون سنة مضت)، يشهد الفاصل الزمني بينهما شُحًّا لافتًا يكاد يكون تامًّا. وهذا الفراغ الأحفوري يمتدّ على مدى عشرة ملايين سنة تقريبًا.

أفضى هذا الغياب إلى سؤالين علميين متشابكين، وصفهما البروفيسور مات فريدمان من جامعة ميشيغان بأنهما على درجة من الإحباط بقدر ما هما مثيران للاهتمام:

“هل الأسماك التي نفترض انقراضها في نهاية العصر الطباشيري لم تنقرض فعلًا، بل استمرّت إلى الفترة التالية دون أن نعثر على آثارها لشُحّ السجل الأحفوري؟ أم أن المجموعات الحديثة ظهرت لاحقًا؟ تُمثّل هذه الفجوة فراغًا طويلًا لا نعرف خلاله ما الذي حدث بالضبط، وهي للإحباط بعينه تتزامن مع واحدة من أكثر المراحل إثارةً في تاريخ الأرض.”

ثمة ما يزيد فجوة باترسون تعقيدًا: مواقع الحفريات من الباليوسين المبكر نادرة في العالم بأسره، مما جعل الإجابة عن هذا السؤال شبه مستحيلة دون العثور على موقع استثنائي. وهذا بالضبط ما قدّمه الاكتشاف الأحفوري في “قريّة 3″، إذ جاء حاملًا أول إجابة ملموسة عن لغز ظلّ معلّقًا لأكثر من ثلاثة عقود.

ماذا وجد العلماء في قلب الصحراء؟

الاكتشاف الأحفوري: ماذا وجد العلماء في قلب الصحراء؟

يقدّم المحتوى الأحفوري لموقع “قريّة 3” نافذةً زمنيةً لا مثيل لها على حياة البحار. وذلك أعقاب الانقراض الجماعي الذي وقع قبل 66 مليون سنة على الحدود بين العصر الطباشيري والباليوجيني (K-Pg). والذي أودى بحياة ما يقارب 75% من الكائنات الحية على وجه الأرض، بما فيها الديناصورات غير الطائرة. ويقع هذا الاكتشاف الأحفوري بعد نحو أربعة ملايين سنة فقط من تلك الكارثة الكبرى.

فيما يلي أبرز ما كشفت عنه حفريات الصحراء الشرقية:

  • أكثر من 20 نوعًا سمكيًا جديدًا وثّقت لأول مرة في السجل الأحفوري العالمي.
  • مئات الهياكل العظمية شبه المكتملة، وهو نادر للغاية في مواقع الباليوسيني المبكر.
  • غلبة واضحة لأسماك البيركومورف (Percomorpha)، المجموعة التي تضمّ اليوم أكثر من 17 ألف نوع حي، من التونة والماكريل إلى فرس البحر وسمكة القمر.
  • توثيق أقدم سلف حفري معروف للتونة في تاريخ الكوكب، وهو ما أثار حماس الباحثة سناء السيد بشكل استثنائي.
  • غياب لافت للأسماك المفترسة القديمة التي كانت تهيمن على بحار عصر الديناصورات، وهو ما يعزّز فرضية الإزاحة البيولوجية الكاملة بعد الانقراض الكبير.
  • دليل جغرافي يشير إلى أن مجتمعات الأسماك الحديثة ربما نشأت أولًا في المناطق الاستوائية ثم انتشرت شمالًا مع تغيّر المناخ.
جانب الاكتشافالتفاصيل
عمر الموقع62.2 مليون سنة
المرحلة الجيولوجيةأوائل العصر الباليوسيني
عدد الأنواع الموثّقةأكثر من 20 نوعًا
نوع الموقعلاغريشتات (حفظ استثنائي)
المجموعة السمكية الغالبةالبيركومورف
سنوات البحث والتحليلأكثر من 6 سنوات
الفجوة التي يسدّها~10 ملايين سنة من السجل الأحفوري

ما الذي يعنيه هذا الكشف لفهمنا تاريخ الحياة؟

ربما يبدو الأمر في ظاهره مجرد عظام قديمة في الصحراء. لكن الحقيقة تمسّ فهمنا الأساسي لكيفية عمل الحياة على كوكبنا وقدرتها على إعادة بناء نفسها بعد الكوارث.

تشير نتائج الدراسة إلى أن مجتمعات الأسماك البحرية الحديثة لم تنشأ ببطء شديد على مدى عشرات الملايين من السنين. بل ظهرت بوتيرة لافتة في غضون أقل من أربعة ملايين سنة من الانقراض الكبير. ويعني ذلك أن النظم البيئية البحرية كانت تملك قدرة تعافٍ مذهلة أسرع بكثير مما كان يعتقد سابقًا.

الاكتشاف الأحفوري : فهم تاريخ الحياة

وترجّح الدراسة أن غياب الأسماك المفترسة القديمة ليس مصادفةً. بل هو مؤشر على أن انقراض الديناصورات أحدث فراغات بيئية ضخمة في سلسلة الغذاء البحرية. فسارعت مجموعات سمكية جديدة وأكثر مرونةً إلى ملئها. فكما تفسح الكوارث الطبيعية أحيانًا المجال لأشكال حياة لم تكن لتظهر دونها، فعل الانقراض الكبير ذلك بالضبط مع أسلاف أسماك المحيطات التي نشاهدها اليوم في كل بحر ومحيط.

تقول سناء السيد إن ما أثار انتباهها أكثر من غيره لم يكن فقط العدد الكبير من الحفريات، بل “الطابع الحديث للمجتمع السمكي نفسه”، مضيفةً أن الموقع “يُوثّق مرحلة مبكرة للغاية من ظهور المجموعات التي أصبحت لاحقًا مكونات رئيسية لمحيطات العالم الحديث.” وهذا الوصف يلخّص بدقة الأهمية الحقيقية لهذا الاكتشاف الأحفوري.

ويرى البروفيسور فريدمان أن الاكتشاف يلمّح كذلك إلى أن نشأة الأسماك الحديثة لم تحدث في مكان واحد ومنه انتشرت. بل ربما ظهرت أولًا في المناطق الاستوائية كالمنطقة التي تمثّلها مصر اليوم، قبل أن تنتشر نحو خطوط العرض الأعلى مع تغيّر المناخ وتطور هذه المجموعات.

العقول والأيدي التي فتحت هذا الكنز

الاكتشاف الأحفوري: سناء السيد وهشام سلام

لا تنبثق الاكتشافات الكبرى من فراغ؛ بل تبنى على سنوات من الجهد الإنساني الخفي الذي لا يظهر في العناوين الإخبارية.

سناء السيد، الباحثة في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والمدرِّسة المساعدة بالجامعة، هي المؤلفة الأولى لهذه الدراسة. أمضت سناء سنواتٍ في التحليل الميداني والمعملي المضني. وكانت هذه الدراسة جزءًا من أطروحة الدكتوراه الخاصة بها بجامعة ميشيغان ضمن بعثة علمية حكومية مصرية. وعن أكثر لحظة أبهجتها في المشروع قالت: “كان اكتشاف سلف التونة الأقدم في تاريخ الكوكب من أكثر اللحظات إثارةً، لأنه التقط التاريخ المبكر للسلالات التي أصبحت لاحقًا مكونات رئيسية للمحيطات الحديثة.”

أما هشام سلام، فهو أستاذ الحفريات الفقارية ومؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (MUVP). وهو القائد الفعلي للفريق البحثي الدولي. يشكّل هشام سلام صوتًا علميًا مصريًا بارزًا على المستوى الدولي. أثبت عبر سنوات متتالية أن التربة المصرية تخبّئ من الأسرار الجيولوجية ما يُدهش العالم. وأكد سلام أن النتائج تثبت أن مجتمعات الأسماك الحديثة بدأت في منطقة جغرافية لم تكن في قلب هذا النقاش العلمي من قبل، وهو ما يمنح مصر موقعًا استثنائيًا في خريطة علم الحفريات الدولي.

شملت الشراكات الدولية لهذا الاكتشاف الأحفوري جامعة ميشيغان الأمريكية بمشاركة البروفيسور مات فريدمان، مدير متحف علم الأحياء القديمة فيها، والبروفيسور روبرت بي. سبيير من جامعة لوفان البلجيكية المتخصص في تأريخ الطبقات الصخرية الجيولوجية.

ستة أعوام من البعثات الشاقة والتعب والصبر وتحليل العينات، ترجمت في نهاية المطاف إلى بضع صفحات في مجلة Science Advances وعناوين تجوب وسائل الإعلام العالمية.

مصر: كنز جيولوجي لا ينضب

ليست هذه المرة الأولى التي تفاجئ فيها الأراضي المصرية المجتمع العلمي الدولي بكنوزها الأحفورية. ففي مارس 2026، أعلن الفريق ذاته عن اكتشاف أحفوري في الصحراء الغربية يتعلق بأسلاف القردة العليا. وقبل ذلك أيضًا، أسهمت مصر في اكتشافات أحفورية رائدة تخصّ الحيتان والتماسيح القديمة.

الاكتشاف الأحفوري: مصر كنز جيولوجي لا ينضب

وتكمن المفارقة اللافتة في أن مصر، التي يربطها معظم الناس بالفراعنة والأهرامات والحضارة الإنسانية، باتت اليوم تعدّ من أغنى مناطق العالم في الاكتشافات الأحفورية لما قبل التاريخ. ما تحمله طبقات الحجر المصري من أسرار يفوق في عمقه وأهميته ما بنته أيدي البشر فوق سطحه.

يعزّز هذا الاكتشاف الأحفوري الجديد مكانة مصر البحثية على الخريطة العلمية العالمية. كما يثبت أن الاستثمار في العلوم والبحث الأكاديمي يفضي إلى نتائج تخلّد أسماء الباحثين وأوطانهم في أمتن المراجع العلمية. وكما قال رئيس جامعة المنصورة الدكتور شريف خاطر، فإن هذا الاكتشاف “يعزّز مكانة مصر على خريطة البحث العلمي العالمي، ويدعم دورها كقوة ناعمة قائمة على العلم والمعرفة.”

اكتشف المزيد

هذا الاكتشاف الأحفوري هو حلقة واحدة من سلسلة طويلة من الكشوفات التي تعيد رسم خرائط تطور الحياة على الأرض. إذا أثار اهتمامك ما قرأته، فثمة مسارات تستحق الاستكشاف:

  • تابع أعمال فريق سلام لاب على منصات التواصل الاجتماعي، إذ ينشرون بانتظام اكتشافات جديدة تعيد كتابة التاريخ الطبيعي لمنطقتنا.
  • اطّلع على نص الدراسة المنشورة في مجلة Science Advances إذا كنت متخصصًا في الجيولوجيا أو علم الأحياء القديمة.
  • اقرأ مقالنا عن اكتشاف “ماسريبيتيكوس” الذي يعيد رسم شجرة تطور القردة العليا في شمال أفريقيا.
  • تصفّح قسم موسوعة المعرفة على www.pictwords.com للمزيد من الاكتشافات العلمية الرائدة من العالم العربي.

خلاصة القول

يعيد الاكتشاف الأحفوري في “قريّة 3” كتابةَ جزء مهم من قصة تطور الحياة البحرية على كوكبنا. بعد ست سنوات من البحث الميداني والمعملي، أثبت هشام سلام وسناء السيد وفريقهما الدولي أن الصحراء الصامتة الجرداء كانت يومًا ما مسرحًا لأكوان بحرية نابضة، وأن ما تخبّئه طبقات الحجر يساعدنا على فهم كيف نجا كوكبنا من كوارثه الكبرى وعاد منها أكثر تنوعًا وثراءً.

وتبقى الرسالة الأعمق من هذا الكشف ليست علميةً فحسب، بل إنسانية في جوهرها. إذ أن التنوع هو أقوى أسلحة الحياة في مواجهة الفناء، وأن كل كارثة تفسح في نهاية المطاف المجال لأشكال جديدة من الازدهار لا نستطيع توقّعها. ولعلّ هذا بالذات هو ما تروّجه حجارة الصحراء المصرية منذ 62 مليون سنة، لمن أحسن الإصغاء.