تُلقي مقولة كرم ملحم كرم بظلالها على دروب العلاقات الإنسانية، كاشفةً مرارة الجود حين يتحوّل إلى وخزٍ في اللحم. يقول الكاتب اللبناني: “اللئيم: من تأخذه بيده فيعض رجلك”، فيومض في الذهن فوراً قول الحكمة الشعرية الخالدة: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.” تمدّ يدك رحمةً، فإذا بالمُعانَ يغرس أنيابه حيث كان يفترض أن يضع امتنانه. ليست الفاجعة في الجحود، بل في موضع العضة، حيث يتحوّل الشكر جرحاً.
المحتويات
هندسة النذالة: فن العض الاستراتيجي
تتجلى في هذه المقولة نظرية معقدة عما يمكن تسميته بـ “هندسة النذالة”. فاللئيم، وفق هذا المنظور، لا يرتكب فعله عن جهل أو ضعف، بل عن وعي كامل بأبعاد ما يفعل. إنه يفهم جيداً رمزية اليد الممدودة، ويعرف تماماً معنى القدم الثابتة. اختياره للقدم دون اليد ليس صدفة، بل قرار مدروس في معمل الجحود الأخلاقي.
تمثل اليد في الموروث الثقافي رمزاً للتواصل الإنساني والعطاء المباشر. أما القدم فهي دلالة الثبات والقوة والاستقرار. حين يعض اللئيم قدمك، فهو لا يرفض إحسانك فحسب، بل يحاول إسقاطك من مقامك، زعزعة ثقتك بنفسك، وجعلك تشكك في جدوى الخير الذي تقدمه. إنها استراتيجية نفسية متقنة تهدف إلى قلب الأدوار: من مُحسن واثق إلى ضحية متألمة تندم على فعل الخير.
مفارقة الإحسان: تكلفة النبل
يكشف تشريح اللئيم عن مفارقة عميقة في طبيعة العلاقات الإنسانية. فالإحسان، ذلك الفعل النبيل الذي نعتبره قمة الأخلاق، يحمل في داخله بذرة الإهانة للمستفيد منه. كيف ذلك؟ لأن مد اليد هو اعتراف ضمني بالتفاوت، إقرار بأن هناك من يملك ومن يحتاج، من يعلو ومن يسفل في سلم المواقف الاجتماعية.
يرى اللئيم في إحسانك دليلاً على ضعفه وحاجته، وهذا ما لا يطيقه كبرياؤه المريض. الامتنان بالنسبة له عبء ثقيل، دين معنوي لا يستطيع سداده، فيختار طريقاً أسهل: محو الدليل على إحسانك بإيلامك. كأنه يقول: “لقد ساعدتني، وهذا يثبت أنني كنت ضعيفاً. لكن الآن، بعد أن عضضت رجلك، أصبحت أنا من أوقع بك الألم، فتساوينا أو ربما تفوقت عليك.”
هذا المنطق الملتوي يكشف عن طبيعة بشرية مظلمة: رفض الاعتراف بالجميل لأنه يعني الاعتراف بالعجز. اللئيم يفضل أن يكون جاحداً قوياً على أن يكون ممتناً ضعيفاً. إنه يحول الإحسان من فضيلة إلى خطأ استراتيجي ارتكبه المحسن، والعض هو التصحيح المنطقي لهذا الخطأ في منظومته الأخلاقية المقلوبة.
الجحود الأخلاقي: رفض منظومة العطاء
في عمق فلسفة اللئيم يكمن رفض كامل لمنظومة العطاء والأخذ التي يقوم عليها التكافل الاجتماعي. هذه المنظومة تفرض أدواراً محددة: المعطي والآخذ، المحسن والمستفيد، القوي والضعيف. اللئيم يثور على هذا النظام الأخلاقي، لا بالامتناع عن الأخذ، بل بإدخال عنصر الفوضى والألم في المعادلة.
يمكن تلخيص منطقه الداخلي كالتالي:
- الإحسان يضعني في موقف المدين الأضعف
- الامتنان يعني الاعتراف بهذا الموقف
- العض يُلغي التفاوت بخلق توازن سلبي: أنا أسأت إليك كما أحسنت إلي
- النتيجة: علاقة متوازنة من الألم المتبادل بدلاً من العطاء الأحادي
هذه الرؤية، وإن بدت شاذة، تعكس حقيقة نفسية مهمة: بعض النفوس لا تحتمل ثقل الامتنان، فتحوله إلى عداء. إنهم يفضلون متعة الخسارة المتبادلة على مرارة الدين المعنوي.
اللئيم كظاهرة ثقافية: قراءة في السلوك الاجتماعي
تتجاوز ملاحظة كرم ملحم كرم الحالة الفردية لتصبح تشخيصاً لظاهرة اجتماعية أوسع. في مجتمعاتنا العربية، يحتل الإحسان مكانة رفيعة في سلم القيم، لكنه في الوقت ذاته يخلق ديناميكية معقدة من العلاقات غير المتوازنة. الثقافة التقليدية تمجد الكرم والجود، لكنها لا تقدم دائماً أدوات صحية للتعامل مع الامتنان.
يتحول بعض المستفيدين من الإحسان إلى لئام لأسباب متنوعة:
- الكبرياء الجريح: عدم القدرة على تحمل موقف الاحتياج
- الشعور بالدونية: تفسير الإحسان كإشارة لضعفهم
- الإحساس بالتبعية: الخوف من أن يصبحوا مدينين دائمين
- العجز عن المقابلة: عدم امتلاك القدرة على رد الجميل
هذه العوامل تتفاعل لتخلق نمطاً سلوكياً يحول الإحسان إلى مصدر للعداء بدلاً من الترابط الاجتماعي. اللئيم، في هذا السياق، ليس مجرد فرد سيئ الطباع، بل نتاج منظومة ثقافية لا تعلم كيفية التعامل الصحي مع العطاء والأخذ.
فلسفة العض: لماذا القدم لا اليد؟
يستحق اختيار القدم كهدف للعض تأملاً فلسفياً أعمق. في رمزية الجسد الإنساني، تمثل اليد أداة الفعل المباشر والتواصل السريع، بينما ترمز القدم إلى الأساس والجذور والثبات. من يريد أن يؤذيك حقاً لا يكتفي بصد يدك، بل يهاجم ما يجعلك واقفاً.
القدم أيضاً أقل حراكاً من اليد، مما يعني أن العض عليها يستمر لوقت أطول، ويتطلب منك أن تنحني (حرفياً ومجازياً) للتعامل مع الألم. هذا الانحناء، في لغة الجسد، هو نزول عن العلو الذي كنت فيه كمحسن. إنه إجبارك على النزول إلى مستوى اللئيم، وهذا بالضبط ما يريده: سحبك من علياء النبل إلى حضيض المعاناة المشتركة.
القدم، بخلاف اليد، هي ما تحملك في رحلتك، ما يمكنك من المضي قدماً. عض القدم إذن هو محاولة لإيقاف مسيرتك، لجعلك تتوقف وتفكر مرتين قبل أن تمد يد العون مرة أخرى. إنه درس قاسٍ من اللئيم: “كل خطوة تخطوها نحو مساعدتي ستكون خطوة مؤلمة لك.”
مأساة المحسن: حين يصبح الخير عبئاً
تقودنا رؤية كرم ملحم كرم إلى تأمل أكثر مرارة: هل الإحسان يستحق كل هذا العناء؟ هل يجب أن نستمر في مد أيدينا ونحن نعلم أن بعضهم سيعض أقدامنا؟ هذه الأسئلة تمثل جوهر مأساة المحسن المعاصر، الذي يجد نفسه محاصراً بين نبل قيمه وقسوة الواقع.
الإحسان الحقيقي لا ينتظر مقابلاً، لكنه أيضاً لا يتوقع عداءً. حين يتحول المستفيد إلى عدو، يهتز شيء أساسي في فلسفة العطاء. يبدأ المحسن في التساؤل: هل كان إحساني خطأ؟ هل يجب أن أتوقف عن مساعدة الآخرين؟ هل الحذر أفضل من الكرم؟
هذه الأسئلة تمثل انتصاراً للئيم، حتى لو لم يدرك ذلك. فهو بعضته على قدمك لم يؤذك جسدياً فحسب، بل زرع الشك في نفسك تجاه قيمة الإحسان ذاته. جعلك تتردد، تحسب ألف حساب قبل المساعدة، تبني جدراناً من الحذر حول قلبك الطيب. وهذا، للأسف، هو الثمن الباهظ الذي ندفعه في عالم يعج باللئام.
الحكمة في زمن اللؤم: دروس من مقولة كرم
رغم قسوة الصورة التي يرسمها كرم ملحم كرم، إلا أن مقولته تحمل حكمة عميقة للعصر الذي نعيشه. ليست الحكمة في التوقف عن الإحسان، بل في فهم طبيعة من نحسن إليهم، وفي حماية أنفسنا من الأذى دون أن نفقد إنسانيتنا.
الدرس الأول هو الواقعية: ليس كل من يحتاج المساعدة يستحقها، وليس كل من تساعده سيشكرك. هذه حقيقة مرة، لكن إدراكها يجنبنا خيبات الأمل الكبرى. الدرس الثاني هو الحدود: الإحسان لا يعني التضحية الكاملة بالنفس. يمكنك أن تمد يد العون دون أن تعرض قدمك للعض، بأن تضع حدوداً واضحة وتحمي نفسك.
الدرس الثالث، وهو الأهم، أن قيمة الإحسان لا تتحدد بردة فعل المستفيد، بل بنقاء نية المحسن. إن عض اللئيم لقدمك لا ينتقص من نبل فعلك، بل يكشف عن دناءة طبعه. أنت لم تخسر شيئاً من مكانتك الأخلاقية، بل هو من سقط أدنى مما كان.
خاتمة: بين الأمل والحذر
يترك كرم ملحم كرم قراءه أمام معادلة معقدة: كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم يكافئ الإحسان بالعض؟ كيف نستمر في العطاء دون أن نصبح ضحايا للئام؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تكمن في التوازن بين الأمل والحذر، بين الكرم والحكمة.
تبقى مقولته منارة تضيء جانباً مظلماً من العلاقات الإنسانية، تذكرنا بأن الطريق إلى الخير محفوف بالمخاطر، وأن العطاء يتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة المواجهة. في عالم يعج باللئام الذين يعضون الأقدام، يظل السؤال قائماً: هل نتوقف عن مد أيدينا، أم نتعلم كيف نحمي أقدامنا ونحن نفعل الخير؟
لعل الحكمة تكمن في أن نستمر في الإحسان، لكن بعيون مفتوحة وقلوب واعية. أن نساعد من يستحق، وأن نحمي أنفسنا من لا يقدر. وإذا عضنا لئيم في طريقنا، فلنتذكر أن الألم في القدم مؤقت، أما طهارة الروح التي تعطي فهي أبدية. وتلك، في نهاية المطاف، هي الانتصار الحقيقي على كل لئيم.

