كيف تصوّر شيئاً لا يترك وراءه شعاعاً واحداً من الضوء؟ حيّر هذا السؤال علماء الفيزياء عقوداً طويلة، فقد طاردوا الثقوب السوداء على الورق قبل أن يلمحوها في السماء. بدأت الحكاية بفكرة جريئة عام 1784، ثم مرّت بمعادلات النسبية وبأمواج جاذبية جاءت من أعماق الكون، وانتهت في أبريل 2019 بأول صورة لثقب أسود تتصدّر صحف العالم. سنتتبع في هذا المقال الرحلة كلها، ونجيب في الطريق عن أسئلة يكرّرها القرّاء: كيف تتكون الثقوب السوداء، وهل تبتلع الكون فعلاً، وماذا نرى بالضبط في تلك الصورة الشهيرة؟
المحتويات
ما هي الثقوب السوداء، وكم نوعاً منها نعرف؟
الثقب الأسود منطقة تتكدّس فيها كتلة هائلة داخل حيّز صغير جداً، فتتجاوز سرعة الإفلات من جاذبيتها سرعة الضوء نفسه. لذلك لا يغادرها شيء، لا مادة ولا إشعاع. أما الحدّ الفاصل الذي لا عودة بعده فيسمّيه الفلكيون أفق الحدث، وهو أشبه ببوابة تفتح في اتجاه واحد فقط.

ولتقريب الأرقام من الذهن، لو ضغطنا الأرض كلها حتى يصير قطرها نحو 18 مليمتراً، أي بحجم حبة كرز، لتحوّلت إلى ثقب أسود. وفي حالة الشمس يكفي أن ينكمش نصف قطرها إلى ثلاثة كيلومترات تقريباً. يصنّف العلماء هذه الأجرام بحسب كتلتها:
| النوع | الكتلة التقريبية | أصل النشأة | مثال |
|---|---|---|---|
| نجمي | من بضع كتل شمسية إلى عشرات الكتل | انهيار نجم ضخم | Cygnus X-1 (نحو 21 كتلة شمسية) |
| متوسط الكتلة | من مئات إلى عشرات الآلاف من الكتل الشمسية | ما زال قيد البحث | مرشّحات قليلة لم تُحسم بعد |
| فائق الكتلة | من ملايين إلى مليارات الكتل الشمسية | نمو طويل واندماجات، وربما انهيار مباشر | الرامي أ* وM87 |
تحتل الثقوب السوداء فائقة الكتلة قلب أغلب المجرات الكبيرة، وتتجاوز كتلتها مليون شمس، بل تبلغ مليارات الشموس في بعض الحالات.
كيف تتكون الثقوب السوداء؟
تبدأ القصة غالباً بنجم عملاق تفوق كتلته عشرين ضعف كتلة الشمس. يحرق هذا النجم وقوده النووي ملايين السنين، وتحفظ حرارة الاندماج في قلبه توازناً دقيقاً يمنعه من الانهيار تحت وزنه. لكن الوقود ينفد في النهاية، فيختل التوازن، وينهار اللبّ على نفسه في أجزاء من الثانية، وتتناثر الطبقات الخارجية في مستعر أعظم. وإن بقي اللبّ المنهار أثقل من نحو ثلاث كتل شمسية، فلا توجد قوة معروفة توقف انكماشه، فيتحول إلى ثقب أسود.

أما العملاقة منها فلغزها أكبر. يرجّح بعض العلماء أنها نمت ببطء وهي تبتلع الغاز، ويتحدث آخرون عن اندماجات متكررة بين ثقوب أصغر، ويرى فريق ثالث أن سحباً غازية هائلة انهارت مباشرة. وقد زادت أرصاد تلسكوب جيمس ويب هذا النقاش سخونة، فقد وجدت ثقوباً ضخمة في كون فتيّ جداً، ومنها الثقب LID-568 الذي بدا عام 2024 وهو يلتهم المادة بمعدل يفوق حدّ إدينغتون النظري.
الجذور: من جون ميشيل إلى كارل شفارتزشيلد
كتب القسّ الإنجليزي جون ميشيل عام 1784 ورقة سبقت عصرها بكثير. افترض فيها وجود نجم ضخم إلى درجة تعجز معها حتى سرعة الضوء عن الهرب من جاذبيته، وسمّى هذه الأجرام «نجوماً مظلمة». ثم خفت وهج الفكرة أكثر من قرن، لأن الفيزياء لم تكن تملك بعد الأدوات التي تمنحها معنى.
جاء التحول الحقيقي عام 1915 حين قدّم آينشتاين النسبية العامة، وهي تصف الجاذبية بوصفها انحناءً في نسيج الزمكان. لكن معادلاتها بدت شديدة التعقيد، وظنّ صاحبها أن حلّها الدقيق مستحيل خارج الحالات المبسّطة. فاجأه بعد أسابيع خطاب من الجبهة الروسية، حيث كان الفلكي كارل شفارتزشيلد يخدم ضابطاً في الجيش الألماني. وجد شفارتزشيلد وقتاً وسط الحرب ليحلّ المعادلات حلاً دقيقاً، ثم مات بعد أشهر قليلة بمرض نادر في الجلد.
كشف حلّه عن نصف قطر حرج حول أي كتلة. فإذا انضغطت الكتلة داخل هذا الحدّ انقطعت صلتها ببقية الكون، ويحمل الحدّ اليوم اسم نصف قطر شفارتزشيلد.
آينشتاين والثقوب السوداء: مفارقة العالِم المتشكّك

يظن كثيرون أن آينشتاين تنبأ بالثقوب السوداء عام 1916، لكن الحقيقة أدق وأطرف. فقد حلّ شفارتزشيلد المعادلات، أما آينشتاين فاشتبه في أن النتيجة مجرد حيلة رياضية لا تحدث في الطبيعة. وفي عام 1939 نشر ورقة يحاول فيها إثبات أن مثل هذه التفرّدات لا وجود لها في الواقع الفيزيائي. وفي العام نفسه تقريباً وصف أوبنهايمر وهارتلاند سنايدر انهيار نجم إلى ما نسمّيه اليوم ثقباً أسود.
المفارقة: ظلّ صاحب النظرية التي أنجبت الثقوب السوداء متحفّظاً على أغرب نتائجها.
من الفكرة إلى الدليل: Cygnus X-1 وبنروز وهوكينغ
بقيت الثقوب السوداء حبيسة الأوراق حتى ستينيات القرن العشرين. ففي عام 1964 رصد صاروخ مزوّد بأجهزة كشف مصدراً قوياً للأشعة السينية في كوكبة الدجاجة، فسمّاه الفلكيون Cygnus X-1. وبعد سبع سنوات استنتج باحثون أن نجماً أزرق عملاقاً يدور حول رفيق خفي، وأن كتلة هذا الرفيق أكبر من أن تكون نجماً عادياً. هكذا ظهر أول دليل رصدي جدّي على ثقب أسود.
في الأثناء أثبت روجر بنروز عام 1965 أن تكوّن الثقب الأسود ليس حالة شاذة، بل نتيجة حتمية للنسبية العامة متى انهار نجم بما يكفي. وبعد عامين شاع اسم «الثقب الأسود» على لسان جون ويلر في محاضرة عامة، لأنه قصير ومخيف في آن واحد. ثم اقترح ستيفن هوكينغ عام 1974 أن هذه الأجرام ليست سوداء تماماً، فهي تبثّ إشعاعاً ضعيفاً جداً. ومن طرائف تلك المرحلة أن هوكينغ راهن زميله كيب ثورن على أن Cygnus X-1 ليس ثقباً أسود، ثم أقرّ بخسارته عام 1990.
أمواج الجاذبية: حين سمعنا الثقوب السوداء
سجّل مرصد ليغو الأمريكي في 14 سبتمبر 2015 اهتزازاً أصغر من قطر البروتون بمئات المرات. جاء هذا الاهتزاز من اصطدام ثقبين أسوديْن قبل نحو 1.3 مليار سنة، فاندمجا في ثقب واحد أكبر. وأعلن الفريق الاكتشاف في فبراير 2016، فتأكد تنبؤ آينشتاين بأمواج الجاذبية بعد قرن كامل. وفاز مؤسسو المشروع راينر فايس وباري باريش وكيب ثورن بنوبل الفيزياء عام 2017.
منحت أمواج الجاذبية الفلكيين حاسة جديدة. لم نعد ننظر إلى الثقوب السوداء فقط، بل صرنا نسمعها أيضاً.
تلسكوب أفق الحدث: كيف ظهرت أول صورة لثقب أسود؟

قبل عام 2019 بدا تصوير الثقوب السوداء أقرب إلى المزحة. فحتى أقرب هدف مناسب، وهو ثقب أسود M87، يبعد نحو 55 مليون سنة ضوئية، ويبدو في سمائنا بحجم برتقالة موضوعة على سطح القمر. لا يكفي أي تلسكوب منفرد لرؤية تفصيل بهذا الصغر.
جاء الحل بفكرة ذكية. بدل بناء تلسكوب واحد عملاق، ربط مشروع تلسكوب أفق الحدث ثمانية مراصد راديوية موزعة على قارات عدة، من هاواي إلى القطب الجنوبي، بتقنية التداخل ذي خط الأساس الطويل جداً. فعملت المراصد معاً كأنها طبق واحد بعرض الأرض تقريباً.
ثم بدأ الجزء المرهق. سجّلت المراصد في أبريل 2017 نحو خمسة بيتابايت من البيانات، وهي كمية أكبر من أن تمرّ عبر الإنترنت، فنقل الباحثون الأقراص الصلبة جواً إلى مراكز المعالجة. وتأخرت أقراص القطب الجنوبي حتى ديسمبر 2017 لأن الشتاء أغلق الرحلات هناك. بعدها عمل أكثر من 200 باحث نحو عامين لتحويل تلك الأرقام الخام إلى صورة.
ما الذي نراه فعلاً في الصورة؟
ليست الصورة فوتوغرافية بالمعنى المعتاد، بل إعادة بناء حسابية انطلقت من إشارات راديوية. تظهر فيها حلقة برتقالية متوهجة تحيط ببقعة مظلمة، والألوان صناعية اختارها الفريق لتوضيح الشدة. الحلقة غاز شديد السخونة يدور بسرعة قرب الثقب، أما البقعة المظلمة فهي ظلّ الثقب الأسود، أي أقرب ما يمكن رؤيته منه، لأن أفق الحدث لا يبعث أي ضوء. كشف الفريق في 10 أبريل 2019 عن ثقب أسود M87 في قلب المجرة العملاقة التي تحمل الاسم نفسه، وتتجاوز كتلته 6.5 مليار شمس.
ثم صورة مجرتنا: الثقب الأسود الرامي أ*
عرض الفريق نفسه في 12 مايو 2022 صورة الثقب الأسود الرامي أ* في مركز مجرتنا درب التبانة. يبعد هذا الثقب نحو 27 ألف سنة ضوئية، وتبلغ كتلته نحو أربعة ملايين شمس، أي أقل من كتلة M87 بأكثر من ألف ضعف. ورغم قربه، كان تصويره أصعب، لأن الغاز حوله يدور في دقائق فيتغير المشهد أثناء الرصد، بينما يتغير غاز M87 على مدى أيام.
نوبل الفيزياء 2020 والثقوب السوداء فائقة الكتلة
منحت لجنة نوبل في أكتوبر 2020 جائزة الفيزياء مناصفة. ذهب النصف الأول إلى روجر بنروز لأنه أثبت أن تكوّن الثقوب السوداء نتيجة متينة للنسبية العامة. وتقاسم النصف الثاني راينهارد غينزل وأندريا غيز، عن اكتشاف جرم فائق الكثافة في مركز مجرتنا.
تابع الفريقان نحو ثلاثة عقود نجوماً تدور حول نقطة غير مرئية قرب مركز درب التبانة. ويكمل أحدها، وهو النجم S2، دورة كاملة في نحو 16 عاماً فقط، وهذا يعني أن كتلة هائلة تشدّه. وجاءت صورة 2022 لتضع مشهداً حقيقياً فوق ما أثبتته الحسابات.
ماذا نعرف اليوم عن الثقوب السوداء فائقة الكتلة؟
- تقيم في مراكز مجرات كثيرة، ومنها مجرتنا.
- تنمو بابتلاع الغاز والنجوم، أو بالاندماج مع ثقوب أخرى.
- تسطع أحياناً أكثر من مجرتها كلها حين تلتهم المادة بشراهة.
الثقوب السوداء في جدول زمني واحد
| السنة | الحدث | صاحبه |
|---|---|---|
| 1784 | فكرة النجوم المظلمة | جون ميشيل |
| 1916 | الحل الدقيق لمعادلات النسبية | كارل شفارتزشيلد |
| 1939 | تشكيك آينشتاين، ووصف أوبنهايمر وسنايدر للانهيار | آينشتاين وأوبنهايمر |
| 1964–1971 | اكتشاف Cygnus X-1 ثم ترجيحه ثقباً أسود | فلكيون |
| 1965 | تكوّن الثقب الأسود نتيجة حتمية للنسبية | روجر بنروز |
| 1974 | إشعاع الثقوب السوداء | ستيفن هوكينغ |
| 2015 | رصد أمواج الجاذبية | مرصد ليغو |
| 2019 | أول صورة لثقب أسود (M87) | تلسكوب أفق الحدث |
| 2020 | نوبل الفيزياء | بنروز وغينزل وغيز |
| 2022 | صورة الرامي أ* | تلسكوب أفق الحدث |
هل يبتلع الثقب الأسود الكون؟ وأساطير أخرى
الجواب القصير: لا. يظن كثيرون أن الثقب الأسود مكنسة كونية تمتص كل ما حولها، لكن الواقع مختلف. فعلى مسافة بعيدة تتصرف جاذبيته مثل جاذبية أي جسم آخر بالكتلة نفسها. ولو حلّ ثقب أسود بكتلة الشمس محلّها غداً، لواصلت الأرض دورانها في المدار نفسه، وإن غرقت في ظلام دامس. أما الخطر الحقيقي فيقتصر على الجوار القريب جداً. وتصحيح هذه الفكرة يفتح الباب أمام أساطير شائعة أخرى:
- الأسطورة: الثقب الأسود فتحة في الفضاء. الحقيقة: هو جسم شديد الكثافة، لا فراغاً.
- الأسطورة: التقطت كاميرا عادية صورة M87. الحقيقة: بنى الباحثون الصورة حسابياً من بيانات راديوية.
- الأسطورة: كل من يسقط فيها يتمزق بالطريقة نفسها. الحقيقة: تمدّد قوى المدّ الجسم قبل الأفق في الثقوب النجمية، أما في الثقوب فائقة الكتلة فقد يعبر المرء الأفق دون أن يشعر بشيء خاص، رغم أنه لن يعود أبداً. ويبطؤ الزمن قربها قياساً بمراقب بعيد.
ماذا بعد؟ ومن أين تكمل القراءة
أعترف أن انطباعي الأول عن صورة M87 كان خيبة صغيرة: حلقة برتقالية ضبابية، أهذا كل شيء؟ ثم عرفت حجم الجهد المخبوء خلف تلك البكسلات، فتغيّر الانطباع تماماً. ولا تنتهي القصة هنا، إذ يعمل فريق تلسكوب أفق الحدث على توسيع شبكة المراصد لالتقاط صور أوضح، وربما لقطات متحركة.
جرّب بنفسك: ضع صورة M87 وصورة الرامي أ* جنباً إلى جنب. ستجد الحلقتين متقاربتين في الحجم، رغم أن كتلة أحدهما تفوق الأخرى بآلاف الأضعاف، والسبب أن الثقب الأصغر أقرب إلينا بكثير.
أكمل رحلتك مع هذه المقالات:

