في أعماق السجل الإنساني، تُحفظ قصص تتحدى الحتمية وتنقض الأساطير المستقرة في أذهاننا عن الجنون والعبقرية. إحدى هذه القصص الاستثنائية تجمع بين رجلين لم يلتقيا وجهاً لوجه قط، لكن إرادتهما المتوقدة وإصرارهما المذهل أنتجا أحد أعظم المراجع اللغوية في التاريخ: قاموس أكسفورد الإنجليزي. هذا هو السرد الحقيقي لقصة البروفيسور والمجنون، قصة إنسانية ملهمة عن عبقرية لم تنكسر رغم كل العوائق.
المحتويات
عندما التقت العبقرية بالجنون: البدايات المختلفة
تبدأ هذه الملحمة في فترة تاريخية حاسمة من القرن التاسع عشر، حيث كانت اللغة الإنجليزية تتطور بسرعة هائلة. جيمس موراي، الذي وُلد عام 1837 في اسكتلندا، كان فتىً فقيراً طموحاً لم تقف الحدود الاجتماعية بينه وبين حلمه. من جهته، وليام تشيستر ماينور وُلد عام 1834 في نيويورك لعائلة ثرية، وتمتع بامتيازات تعليمية لم يتح لموراي الاقتراب منها.
لا يمكن فهم هذه القصة الاستثنائية دون الغوص في الخلفيات المختلفة لكلا الرجلين. موراي كان من الفئات الشعبية، تعلم بجهوده الذاتية، وعمل معلماً ثم مدرساً بنهم لا يشبع. أما ماينور، فقد كان طبيباً جراحاً ماهراً، شهد فظائع الحرب الأهلية الأمريكية، وعانى من ندوب نفسية عميقة لم تُشفَ بمرور الوقت.
اللحظة التاريخية: مشروع قاموس أكسفورد
في عام 1879، أطلقت جمعية فيلولوجية بريطانية مشروعاً طموحاً لم يسبق له مثيل: إنشاء قاموس شامل للغة الإنجليزية يتضمن كل كلمة وجدت على الإطلاق. كان المشروع ضخماً بحيث يبدو مستحيلاً لرجل واحد. لذا، طلبوا من المساهمين حول العالم أن يرسلوا اقتباسات توضح معاني الكلمات واستخدامها عبر التاريخ.
جيمس موراي قَبِل هذا التحدي بحماس. عندما تولى موقع المحرر الرئيسي لهذا المشروع، أدرك أنه يحتاج إلى ملايين الاقتباسات من مصادر متنوعة. كان يحتاج إلى متعاونين مخلصين وعزيمة فولاذية تتحدى التعب والملل. لكن القصص الإنسانية عن العبقرية نادراً ما تبدأ بظروف مواتية؛ بل تبدأ بمصادفات غريبة والتقاء مفاجئ.
الصرخة من السجن: وليام تشيستر ماينور يظهر على الساحة
في عام 1881، وصلت رسالة غريبة إلى جيمس موراي من مريض نفسي معزول في مصحة عقلية بريطانية. كان المرسل هو وليام تشيستر ماينور، الذي آثر أن يسمي نفسه “ماينور”، الطبيب السابق الذي انهار عقله تحت وطأة الذكريات المؤلمة للحرب.
قضى ماينور السنوات الطويلة وحيداً في غرفته بالمصحة، لكنه لم يترك عقله يموت. بدلاً من ذلك، قرر أن يساهم في مشروع قاموس أكسفورد. كتب موراي طالباً القوائم الشاملة للكلمات والاقتباسات النادرة. لم يكن ماينور مجرد عامل نسخ؛ كان متحمساً حقيقياً، يقضي ساعات طويلة في البحث عن الكلمات والمعاني.
من السجن إلى الإرث: رحلة التعاون
لا يمكن المبالغة في أهمية ما حدث بعد ذلك. على مدى عقود، جمع وليام تشيستر ماينور حوالي عشرة ملايين اقتباس على بطاقات. كان يعمل بصمت وإصرار، محرراً وباحثاً، مختبراً وعاملاً بلا كلل. بينما كان جيمس موراي يحرر المشروع ويحاول إكماله، كان ماينور في سجنه الاختياري يرسل الآلاف من البطاقات التي أثرت بشكل كبير في القاموس النهائي.
هذا التعاون العجيب لم يكن عادياً. لم يلتقِ الرجلان وجهاً لوجه إلا مرة واحدة فقط، قريباً من نهاية حياتهما. لكن من خلال الرسائل والبطاقات والالتزام العميق، خلقا معاً شيئاً خالداً.
العبقرية تتجاوز الجنون: الدروس المستفادة
تعكس هذه القصة الحقيقية حقائق عميقة عن الطبيعة البشرية. أولاً، إنها تكسر الفاصل المصطنع بين الجنون والعبقرية. وليام تشيستر ماينور لم يكن مجنوناً لأنه ضعيف؛ بل كان قوياً لأنه اختار النضال ضد ضعفه. حتى وهو محبوس في مصحة، وحتى وهو يعاني من هلوسات، استطاع أن يساهم بشيء غير عادي في التاريخ الإنساني.
ثانياً، تُظهر هذه الحكاية قيمة الإصرار والهدف. لم يكن موراي أكثر ثراءً من ماينور، لكنهما شاركا قيمة أساسية: الالتزام بشيء أعظم من أنفسهما. كانا يسعيان لا للشهرة ولا للمال، بل لترك بصمة تدوم:
- الشغف الحقيقي يتغلب على الفقر والمرض
- الإصرار المستمر يحقق ما يبدو مستحيلاً
- العزلة قد تخفي عبقرية استثنائية تنتظر فرصتها
التأثير الدائم على اللغة والثقافة
انتشر قاموس أكسفورد الإنجليزي ليصبح أحد أهم المراجع اللغوية في العالم. كل كلمة فيه، كل تعريف، كل اقتباس لا يمثل فقط معنى لغوياً؛ بل يمثل جزءاً من السيرة الذاتية لرجلين لم تكن حياتهما عادية. حتى اليوم، عندما يبحث شخص ما عن معنى كلمة ما في القاموس، فهو يستفيد من عمل جماعي استغرق عقوداً وأرواحاً استثنائية.
ما يميز قصة البروفيسور والمجنون عن سواها من القصص الإنسانية الملهمة عن العبقرية هو أنها كانت قصة عن ألم حقيقي، وعزلة حقيقية، وصراع حقيقي ضد الظلام الداخلي. لكنها أظهرت أن الإنسان، حتى في أحلك ساعاته، قادر على خلق شيء جميل وخالد.
تأملات ختامية: متى تلتقي العبقرية بالهدف
قصة البروفيسور والمجنون تعلمنا درساً مهماً: ليست الظروف وحدها ما تحدد مصيرنا. إنها الإرادة، الالتزام، والقدرة على رؤية معنى وهدف حتى في أصعب الأوقات. وليام تشيستر ماينور لم يكن محظوظاً بصحته أو حريته، لكنه كان محظوظاً بامتلاكه ما قد يكون أندر من كل ذلك: الرغبة في المساهمة، والقدرة على المثابرة.
جيمس موراي، من جانبه، اختار أن يرى ما وراء الحزام الأبيض الذي يرتديه ماينور في المصحة. اختار أن يعتبره شريكاً وليس مريضاً. اختار أن يثق في عبقريته حتى عندما كانت تلك العبقرية مختبئة خلف جدران حجرية.
في نهاية المطاف، تذكرنا قصة البروفيسور والمجنون بأن أعظم الإنجازات في التاريخ غالباً ما تأتي ليس من أشخاص مثاليين أو محظوظين، بل من أشخاص قاموا باختيار واع: اختاروا الأمل على الاستسلام، والعمل على الإحباط، والمعنى على الفراغ. وربما، هذا هو الدرس الأعظم الذي تحمله هذه القصة الاستثنائية عبر الأجيال.

