يد إنسان ممدودة تطلق طائرًا نحو السماء عند الغروب، ترمز إلى التسامح وسعة العقل وحسن العذر للناس.

أعقل الناس أعْذَرُهم للناس

يقف المرء أحياناً عند عتبة الحكمة، متأملاً في تلك الحقائق المختزَلة في جملٍ قصيرة لكنها تحمل من المعاني ما يملأ القلب فهماً والعقل نوراً. ومن بين هذه الدرر التي تركها لنا السلف قولهم: أعقل الناس أعْذَرُهم للناس. فما أجمل أن نقف عند هذه الحكمة، نتدبرها ونستلهم منها ما ينير دروبنا في زمنٍ كثرت فيه الخصومات وقلّت فيه الأعذار.

جوهر الحكمة: عندما يلتقي العقل بالقلب

تحمل هذه المقولة في طياتها فلسفة عميقة عن العلاقة بين العقل والتسامح. فالعاقل الحق ليس من يجمع المعارف أو يحفظ العلوم فحسب، بل من يحسن الظن ويلتمس الأعذار للآخرين. إنها دعوة إلى فن العذر، ذلك الفن النبيل الذي يتطلب نضجاً فكرياً وعمقاً إنسانياً.

يقول الإمام الشافعي في بيتٍ خالد:

“وعاشِرْ بمعروفٍ وسامِحْ مَن اعتدى… ودافِعْ ولكنْ بالتي هيَ أحسنُ”

يجسّد هذا البيت روح الحكمة التي نتناولها، حيث يدعونا إلى المسامحة والمدافعة بالحسنى.

الذكاء الوجداني: بوابة الفهم الحقيقي

يرتبط التماس الأعذار ارتباطاً وثيقاً بما يسمى اليوم بالذكاء الوجداني. فحين يمتلك الإنسان القدرة على فهم مشاعر الآخرين ودوافعهم، يصبح أكثر ميلاً لإيجاد الأعذار لهم. وهذه القدرة تتطلب:

  • التعاطف العميق مع تجارب الآخرين ومحنهم
  • إدراك أن لكل إنسان ظروفاً قد لا نعلمها
  • القدرة على التحكم في ردود الأفعال الانفعالية
  • استحضار تجاربنا الشخصية مع الزلل والخطأ

لماذا يُعتبر الإعذار علامة على الرجاحة العقلية؟

يدرك العاقل أن الحكم السريع والقاسي على الآخرين إنما يعكس قصوراً في الفهم. فالحياة أعقد من أن نختزلها في أحكام سطحية، والناس أكثر تركيباً من أن نفهمهم من موقفٍ واحد أو كلمةٍ عابرة.

عندما نلتمس العذر، فإننا نمارس نوعاً من الحكمة العملية التي تُبقي قلوبنا نقية وعلاقاتنا سليمة. إنها ليست سذاجة كما قد يظن البعض، بل هي قمة النضج الإنساني.

السلام الداخلي: ثمرة التسامح في العلاقات

تخيّل كيف يصبح عالمك حين تحرر نفسك من ثقل الأحقاد والظنون السيئة. حين تلتمس العذر للآخرين، تجد أن السلام الداخلي يتسلل إلى قلبك كنسيم عليل في يوم صيفي حار. لم يعد عليك أن تحمل أثقال الغضب والاستياء، ولم تعد مضطراً لمحاسبة كل إنسان على كل تصرف.

كيف نطبق هذه الحكمة في حياتنا؟

تطبيق هذه الحكمة يتطلب ممارسة يومية ووعياً مستمراً:

1-في مواقف الخلاف: توقف قبل إصدار الحكم، واسأل نفسك عن الظروف التي قد تكون دفعت الشخص للتصرف بهذه الطريقة.

2-في العلاقات الأسرية: تذكّر أن أحباءك بشر يخطئون، وأن حبك لهم يستوجب التماس الأعذار قبل اللوم.

3-في بيئة العمل: افترض حُسن النية في تصرفات زملائك، فربما كانت لديهم ضغوط أو معلومات لا تعرفها أنت.

4-مع النفس أيضاً: لا تنسَ أن تلتمس العذر لنفسك حين تخطئ، فالتسامح يبدأ من الداخل.

التعاطف: لغة القلوب الواعية

ينبع فن العذر من منبع صافٍ هو التعاطف الحقيقي. حين نضع أنفسنا مكان الآخرين، نرى العالم من زاويتهم، ونفهم أن ما بدا لنا خطأً فادحاً قد يكون في سياقه الخاص مجرد اجتهاد أخطأ الطريق.

يحكى أن أحد الحكماء رأى رجلاً يُسيء إلى آخر، فبدلاً من أن يُدينه، قال: “لعله جائع فاشتد غضبه، أو مريض فضاقت نفسه، أو مهموم فغاب عقله”. هذا هو جوهر الحكمة التي نتحدث عنها.

خاتمة: دعوة إلى التأمل والتطبيق

إن الحكمة التي تقول أعقل الناس أعْذَرُهم للناس ليست مجرد عبارة نردّدها، بل هي منهج حياة يغيّر طريقة تعاملنا مع العالم. حين نعذر الناس، نمنح أنفسنا هدية السلام الداخلي، ونُساهم في بناء مجتمع أكثر تسامحاً وإنسانية.

فلنسعَ جميعاً لأن نكون من أولئك الذين امتلكوا العقل الحكيم والقلب الرحيم، ممن يرون في كل موقف فرصة للفهم والتسامح، لا للحكم والإدانة. فالحياة قصيرة، والقلوب الصافية هي الكنز الحقيقي الذي نحمله معنا في رحلتنا.